تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعني إنكار هذه المعجزات القديمة الظنية إنكار وقوع النبوة؛ فوقوع النبوة لا يثبت حتى بالمعجزات المتواترة بهذا المعنى القديم، ولا يعني وجود قدرة مطلقة، إنها تثبت إطلاقها وسلطانها بالوقوف أمام قدرات أخرى؛ قدرة العقل وقدرة الطبيعة، بل الأقرب أن تكون متفقة مع العقل والطبيعة. وما دام العقل أساس الوحي، وأن بديهيات العقل ومسلماته هي ذاتها حقائق الوحي وتصوراته، فلا يكون هناك أي دور للمعجزة. النبوة طريق لإيصال الوحي، والوحي هو العقل، ولا حاجة إلى دليل لإثبات النبوة أو لصدق النبي إلا اتفاق رسالته مع العقل. ليس الشك في هذه المعجزات القديمة غياب التحدي منها، بل لوقوعها ومعارضتها للعقل والطبيعة ولجوهر الوحي في آخر مراحله. إن إثبات صدق المعجزة بصدق الرواية حتى ولو كانت متواترة، هو إثبات صدق خارجي بصدق داخلي آخر، وابتعاد عن الصدق الداخلي للنبوة مع مزيد من التضحيات بأوليات العقل وقوانين الطبيعة وشعور الجماعة، ورجوع بالوحي إلى الوراء، إلى مراحله الأولى، وكأن الإنسانية لم ترتق، وكأن وعيها لم يكتمل باستقلال العقل وحرية الإرادة. وما الفائدة من جعل النبي هرقلا؟ لقد كان من الصحابة مثل عمر خاصة معجبا بجانبه الإنساني؛ بشخصه وبعدله وبمبادئه وبرعايته لمصالح الناس، وكان العقلاء معجبين برسالته وبشريعته دونما حاجة إلى إجراء المعجزات. وهل حديث الحيوانات وشهادة الإبل بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله شرف للتوحيد؟ وأين البراهين على وجود الله والدلائل على صدق النبوة إمكانا ووقوعا، هل تفهمها الإبل؟ إن هذا الجانب لأضعف أجزاء علم أصول الدين مع أمور المعاد، ولا يوازي الذات والصفات والأفعال. صحيح أنها ضمن السمعيات دون العقليات، ولكن يمكن نقل السمعيات خطوة نحو العقليات، وجعلها كلها عقليات. وقد كانت في الطريق إلى ذلك لولا توقفها في المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية في القرون السبعة الأولى. (ب) تصنيف المعجزات

لو كانت المعجزات في كتب موحى بها لطبقت عليها عدة مناهج، مثل تحليل الأشكال الأدبية.

8

ومع ذلك يمكن إجراء ذلك على متون الحديث بالرغم من ظنيتها، ويكون مقدمة نحو نقل السمعيات إلى العقليات، ونحو نقل العلوم النقلية، مثل علوم السير والحديث إلى العلوم العقلية. وسيقتصر التحليل على شيئين: الأول وضع المعجزات في إطار تاريخ الأديان؛ فقد صيغت بناء على أنماط مثالية سابقة معروفة ومروية في الجزيرة العربية، وشكلت خيال الرواة للدين الجديد، وربما وضع كثير منها في نطاق دسائس اليهود والنصارى إرجاعا للإسلام إلى المراحل السابقة، وطمسا لخصائص الدين الجديد؛ لأنه على مستوى المعجزات لا يمكنه الصمود أمام القدر الهائل منها في النبوات السابقة. والدليل على ذلك وضع علماء أصول الدين ما يسمى بالمعجزات الجديدة في إطار المعجزات القديمة، وكيف اجتمع لخاتم الأنبياء كل المعجزات القديمة بعد أن كانت متفرقة في الأنبياء السابقين، وكأنها مباراة ومنافسة في إجراء المعجزات، كما وكيفا.

9

والثاني تصنيف المعجزات في مجموعات متناسقة من حيث مادتها، طبقا للبيئة الجغرافية، وهي بيئة الصحراء التي كانت الإطار المادي للخيال الجديد. فإذا كانت المعجزات المروية في علم أصول الدين وحده تتراوح ما بين الأربعين والخمسين، فإنه يمكن تصنيفها في سبع مجموعات تتعلق بالفلك أو الطبيعة أو الجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان أو المجتمع. (1)

فبالنسبة للفلك تروى معجزات؛ الأولى شق القمر أو انشقاق القمر أو انفلاق القمر. والاختلاف في الصياغات يدل على عملية التخييل والخلق الفني.

10

فلفظ «شق» فعل متعد يدل على قوة خارجية فاعلة أكثر مما يدل عليه لفظ «انشقاق» وهو فعل لازم يوحي وكأن الفاعلية في داخل الشيء، وهو تصور أقل عظمة من الأول؛ فالقوة الخارجية في الخيال أقدر من القوة الداخلية، وأكثر تشخيصا وجذبا للانتباه من القوة الداخلية التي هي أقرب إلى التفسير العلمي، وإذا ما حدث الشق أو الانشقاق فإنه يحدث بطبيعة الحال الفلق أو الانفلاق، فهما حركتان متضادتان، ولا يمكن أن يظل القمر منشقا إلى ما لا نهاية؛ لأن المعجزة خرق مؤقت لقوانين الطبيعة. وقد تعتمد الصيغة على نص قرآني لواقعة مشابهة مع تغيير وقتها، بدل أن تكون في آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة تحدث في وقت النبي. ويضاف إليها التعليل لهذا النقل من الآخر إلى الأول، ومن المستقبل إلى الحاضر، مثل أن يكون ذلك ردا على الأعداء حين السؤال عن وقت الحادثة. ويحدث نقل آخر من الأرض إلى السماء؛ فمعجزات السماء أقوى من معجزات الأرض. وفي حالة الشق كفعل متعد يظهر الفاعل وهو سبابة الرسول يشق بها القمر في السماء، إشارة إلى الطاعة وصورة للسكين، وتوجيها للأمر. وهذا ليس بجديد؛ فقد حدث من قبل لدى أنبياء بني إسرائيل في توقف الظل والشمس. أما وقوف الشمس مدة من الوقت وردها بعد المغيب فواضح أنه نسج على أصل انشقاق القمر مرة بشق الكم، ومرة بتغيير الكيف، بتوقيف الحركة كما وقفت ليوشع بن نون عندما كان مع بني إسرائيل يقاتل الجبارين.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٤٦