تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما المتواتر، فليس مجموع آحاد، بل له شروط أربعة في مقدمتها الاتفاق مع الحس والعقل، بالإضافة إلى العدد الكافي الذي يستحيل معه التواطؤ، واستقلال الرواة عن بعضهم البعض، وتجانس انتشار الرواية في الزمان. لا يمكن إذن إثبات المعجزة بالتواتر؛ لأنها تعارض شهادة الحس وبداهات العقل ومجرى العادات، وهي أحد شروط التواتر، والتواتر فيها ليس مثل التواتر على شجاعة علي؛ لأن شجاعة علي تطابق الحس ومجرى العادات، وليس فيها ما يناقض أوليات العقل أو قوانين الطبيعة. وكثير من روايات المعجزات كانت في أصلها آحادا ثم أصبحت متواترة.

7

وقد توفرت الدواعي نظرا لغرابتها وشهرتها على نقلها متواترة، ولكن لم يحدث، وظلت آحادا؛ مما يدل على أنها رؤية أفراد؛ أي إدراك ذاتي لمعجب أو لجمهور أو خطأ حواس لمخدوع. ولا يمكن إثبات المعجزات بالاضطرار أو بالنظر والاستدلال القائم على التواتر؛ فالمعجزات لم تتواتر إلا بعد أن كانت آحادا، وربما كانت بدايات الآحاد وضعا؛ فهي تفقد إذن شروط التواتر. لقد وضعت الأحاديث التي تروي المعجزات في فترة متأخرة، ثم نسبت إلى مبلغ الوحي، ثم اختلقت الشواهد الحسية والوقائع المعينة والتحديدات الزمانية والمكانية؛ للإيحاء بأن الراوي إنما قد روى عن مشاهدة مباشرة ومعاينة للوقائع ومعاصرة للأزمان. وهذا معروف في تاريخ الأديان؛ فقد حدث نفس الشيء في رواية الإنجيل الرابع عندما أعطى الراوي التحديات الزمانية والمكانية ووصف الوقائع المادية؛ ليوحي بالمعاصرة مع أنه موضوع في عصر متأخر. وهناك عدد آخر من الروايات لا تذكر المعجزات وتسكت عن تكذيبها. والسكوت ليس دليلا على التصديق وإن لم يكن دليلا قاطعا على التكذيب، كما أن السكوت ممكن على اختلاف الأحاديث الراوية للمعجزات وفي عصر متأخر، ولو كانت موضوعة في عصر متقدم لأمكن تكذيبها، وإذا كان العصر المتأخر هو الذي وضع الأحاديث فإن ذلك يدل على أنها حاجة اجتماعية شاملة تعم الجميع؛ الرغبة في تعظيم الأشخاص. فالسكوت عليها ليس سكوتا في الحقيقة، بل تعبير عن رضا جماعي، لا عن تواطؤ، بل عن حاجة. وقد كان في كل عصر من يكذب هذه الأحاديث، إن لم يكن بالنقد الخارجي فبالنقد الداخلي اعتمادا على العقل؛ ففي عصر النقل والتفسير بالمأثور كان الغالب هو النقد الخارجي للرواية، ولكن في عصر متأخر ظهر النقد الداخلي القائم على العقل، وبدأ الشك في المعجزات ليس فقط كرواية ولكن أيضا كموضوع، ليس فقط في السند ولكن أيضا في المتن، ليس فقط في الوضع التاريخي بل أيضا في خلق الواقعة. وربما في عصر آخر تصبح رواية المعجزات أكثر ضررا على الأمة من أي شيء آخر، إذا ما كان الجيل يدعو إلى التأكيد على سلطان العقل، ودور العلم، والاعتماد على الحرية والتخطيط، وليس على إجراء المعجزات.

ولا يتعلق الأمر بالسند وحده، بل يتعلق أيضا بالمتن؛ أي بصياغة الخبر؛ فالتواتر وإن كان شرطا في السند إلا أن النقل الحرفي هو شرط المتن، بلا زيادة أو نقصان، أو تقديم وتأخير، أو إظهار أو إضمار. والنقل بالمعنى مثل خبر الآحاد لا يورث المعجزات زيادة أو نقصانا، وفي وصفها إجمالا أو تفصيلا مدعاة للشك فيها؛ وبالتالي في رواياتها، وعادة ما يكون الاتجاه في الرواية نحو الزيادة أكثر مما هو نحو النقصان؛ فكلما زاد التعظيم والإجلال زادت قدرة الخيال الشعبي على خلق الوقائع في السير وتاريخ الأبطال، وكلما حضر المعنى وتوترت النفس به نسج الخيال وقائع دالة عليه؛ فالمعنى هو الذي يخلق الواقعة أكثر مما تدل الواقعة على المعنى. ويحدث ذلك إذا ما كانت هناك واقعة واحدة نمطية تستخدم كأصل في القياس الشعوري، فتختلق طبقا له عدة وقائع أخرى على نفس المنوال، وإذا ما تم ذلك في بيئة ثقافية وسياسية مواتية، مثل الأمية والقهر السياسي، يزداد عمل الخيال من الدعاة والقصاصين والرواة؛ إلهاء للناس عن مشاكلهم اليومية، وإغراقا في الإعجاب بسيد المرسلين. فيسر الحاكم الجالس وراءهم والمستفيد من مدح المداحين مرة لسيد المرسلين وخاتم النبيين، ومرة لأمير المؤمنين ورئيس المجاهدين.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٤٥