6
بل ولا يشرب منه كل من ينكره، وكأن إنكار الحوض يحتاج إلى عقاب بالعطش، وهي حجة تهديدية توعدية أكثر منها حجة عقلية، وكأن الاجتهاد والرأي جريمة يستحق صاحبها العقاب. كما قد يدعى على المنكرين له بألا يشربوا منه هجوما على الشخص دون حوار مع الأفكار، مع أن الإنكار هو نوع من تأويل الحوض بالخير الكثير أو النبوة أو القرآن أو الرضا والرضوان.
7
ولا يمكن رد الإنكار إلى أثر خارجي دون تناول للصورة ذاتها، هل هي حس أم تخييل، واقع أم إيهام، حدث تاريخي أم بنية نفسية؟ لذلك قد لا يكفر منكره، بل يخطأ فحسب؛ لأنه مما لا يجب اعتقاده.
8
وعلى هذا النحو، لا يقع التعطيل فقط في الإلهيات، بل يقع أيضا في الأخرويات، وهو قائم أساسا على رفض مادية المعاني وحرفية النصوص.
وأخيرا يأتي القصاص كأحد أحداث الموقف، قصاص المظلوم من الظالم، وكأن أداء حق البشر قبل الحساب سابق على أداء حق الله بعد الحساب.
9
وهو مشابه لقوانين الاستحقاق والتعويض والإحباط والتكفير والموازنة؛ وبالتالي يكون أدخل في العدل منه في المعاد، أو يكون المعاد تحقيقا لمبادئ العدل، ولكن ألا يكون القصاص هنا رغبة في الانتقام لا يجوز في هول الموقف؟ ألا يكون تسرعا في تطبيق مشخص للعقاب وأخذا بالثأر دون انتظار الحساب؟ ألا تغيب فيه روح التسامح لا من الإنسان ولا في غيره. إنه في الحقيقة سبق للحساب؛ فقد يكون لدى الإنسان عذر مقبول أو دافع نبيل. وهل يجوز للإنسان أن يقتص بيده أم إن الله هو الذي يقتص له كما يقتص له الإمام في الدنيا؟ وإذا ما اقتص المقتول بيده من قاتله، فكيف يحاسب القاتل؟ هل يبعث من جديد حتى يتم حسابه وينال عقابه؟ وهل هناك قصاص من القاتل عندما يقتل قاتله في الدنيا؟ ألا يكون ذلك أشبه بدورة لا نهاية لها، مثل الأخذ بالثأر في صعيد مصر؟ وكيف يكون القصاص بين الحيوانات وهي غير مكلفة، خاصة إذا قام الله بذلك بنفسه؟ وقد وضع الله قانون الغاب. هل أكل القوي للضعيف قانون طبيعي من صنعه؟ هل يقتص الله من الأسد لأنه أكل أرنبا، أو من القطة لأنها أكلت فأرا؟ وكيف يعيش الأسد والقط؟ ولماذا لم يضع الله فيها عقلا كما وضع في الإنسان، ويكون ذلك أصلح لها من القصاص؟ وإذا كان الصياد يصطاد الأسد، والسبع يأكل القط في الدنيا، فلماذا لا يكون ذلك قصاصا؟ يتضح من ذلك أن السمعيات لا يمكن أن تتأصل إلا على نحو عقلي أسوة بالعقليات، خاصة وأن معظمها قد أتى من الشروح المتأخرة، ومستمدا من كتب التصوف حين توقف العقل، فاستمدت العقائد الأشعرية مادتها منه. (2) الحساب، والميزان، والحفظة، والكتبة، وإنطاق الجوارح
بعد الموقف والحوض والقصاص يأتي الحساب والميزان والحفظة والكتبة وإنطاق الجوارح. وإثبات أحدها يؤدي إلى إثبات الآخر، كما أن تأويل أحدها يؤدي إلى تأويلها كلها.
10
ويبدأ الحساب بالوقوف بين يدي الله. ولا يعني الوقوف هنا الحركة وانتصاب القامة بقدر ما يعني بداية الحساب والامتثال أمام القاضي في ساحة العدالة.
11
ثم يبدأ الحساب بعد الوقوف. والحساب يعني التحقيق الفعلي والنهائي لقانون الاستحقاق. ومع أن الله يعلم كل شيء، ولا فائدة تعود عليه من الحساب، ولكنه صورة القضاء العادل؛ حتى يعرف الإنسان أعماله، حسنات أو سيئات، وحتى تعطى له كل الفرص للدفاع وللمحاجة. الغاية من الحساب إقناع الإنسان، وليس فرضا عليه، وإعطاؤه أكبر فرصة للدفاع عن النفس، لا أن يكون متهما لا يعرف التهمة، ويصدر عليه الحكم وهو لا يعرف السبب، كما تصور ذلك الروايات الإنسانية والآداب عند كل الشعوب. وقد لا يحتاج الإنسان إلى حكم يصدر عليه من حاكم أو قاض؛ إذ يحكم على نفسه بنفسه بعدما يشهد على نفسه. وليس الهدف من الحساب معرفة قدر الأعمال من حيث الكم فحسب، بل أيضا معرفة الكيف؛ فالقياس كمي وكيفي في آن واحد؛ حتى يتحقق العدل. وبالرغم من أن الحساب علني، إلا أن الله قد يخفي سيئات العبد عن العباد حفاظا على كرامتهم، وتسترا على سوءاتهم، مغفرة لهم، وكأن المغفرة تتم مباشرة قبل السؤال والجواب وبلا توبة. كما تتفاوت درجات الحساب؛ منها اليسير ومنها العسير، منها الجهر ومنها السر، والحساب منه الفضل ومنه العدل. ويكون الحساب فردا فردا. قد يطول عند البعض وقد يقصر عند البعض الآخر، ولكن من الذي يقوم بالحساب؟ قد يقوم الله نفسه به، وقد ينيب الملائكة عنه ، وقد يقوم به الله والملائكة معا، ولكن هل يتحدث الله بصوت قديم فالكلام صفة قديمة، أم بصوت مخلوق لأن الصفات حادثة؟ هل يخلق الله صوتا في أذن السامع أم يكشف عن الإنسان الحجاب ليعلم الحساب دون صوت؟