تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وتخفيفا من أهوال الموقف وحرارة الشمس، يكون لكل نبي حوض يشرب منه المؤمنون، ويمنع عنه الكافرون إلا النبي «صالح»؛ فحوضه ضرع ناقته! وقد يكون حوض النبي أعرض ما دام خاتم الأنبياء تضم نبوته سائر النبوات كما يضم حوضه سائر الأحواض، ويكون أكثر ورودا. وقد يكون لخاتم الأنبياء وحده حوضه كرامة له! فإذا كانت أهوال الموقف مماثلة في قيظ الشمس عذابا قبل العذاب، فإن الحوض نعيم قبل النعيم، وكأن العذاب والنعيم قد بدآ من قبل.

3

وكيف تكون للرسول كرامة وهو بشر مثل باقي البشر، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ فإثبات الحوض قائم على إثبات الكرامة؛ فإذا ما تم إنكار الكرامة تم إنكار الحوض.

4

وكيف يكون الرسول وهو أرحم البشر أجمعين بهذه القسوة، يمنع العطشان من الحوض، وهو متدلي اللسان لاهث النفس، والرسول إنسان؟ وماذا عن باقي الأمم إن لم يكن لكل نبي حوض ؟ ولماذا يكون حوض صالح ضرع ناقة إن لم تكن المعجزة في النبوة رصيدا في الميعاد؛ وبالتالي يحد الماضي المستقبل بتصوراته وتخيلاته؟ وتزداد التفصيلات في وصف الحوض مكانا؛ طولا وعرضا وعمقا، ولونا ورائحة. فمن حيث الشكل هو حوض أو نهر لا تنافس بينهما ما دام المعنى واحدا، وهو الدلالة وتخفيف عذاب العطش، وهو متصل بالجنة ونهرها، وكلاهما كوثر؛ فالحوض مصدر النعيم مثل أنهار الجنة، مع أن الكوثر لغويا تعني الخير البالغ في الكثرة، وقد لا تعني شيئا حسيا ماديا مكانيا. مكانه مع الوقف وقبل الصراط؛ لأن الناس يخرجون عطشى من القبور، وكأن الإنسان في القبر ما زال له جسد ولسان وحلق يشعر بالعطش! وقد يكون هناك حوضان: الأول قبل الصراط والميزان، والثاني في الجنة. الحوض قبل الصراط؛ فالناس عطشى، والحوض بعده إرهاصا للجنة. وقد يعترض من القدماء بأن الحوض لو كان قبله لحالت النار بينه وبين الماء الذي ينصب فيه من الكوثر، وكأن النار متوسطة بينهما، أو أنه يستحيل التغلب على هذه الصعوبة بالالتفاف والكباري والسدود، أو أن القدرة الإلهية ليس في استطاعتها الإجابة الفعلية على هذا الاعتراض. مكانه على الأرض المبدلة، وهي أرض غير الأرض التي فنيت، ولا سبيل إلى معرفتها إلا قياس الغائب على الشاهد. هو جسم مخصوص متسع الجوانب على أرض بيضاء كالفضة. فهو حوض حسي حتى لا يكون مجرد خيال أو وهم، متسع الجوانب تعبيرا عن الفيض والكرم، على أرض بيضاء كالفضة تعبيرا عن الصفاء والنور والطهارة. واتساعه لمسافة ما بين أيلة ومكة، أو ما بين صنعاء ومكة، أو بين بيت المقدس ومكة، فهناك طرف ثابت وهو مكة، وطرف آخر متحرك وهو آيلة أو صنعاء أو بيت المقدس. الأول في وسط الجزيرة، والثاني في جنوبها أو في شمالها. وقد تكون المسافة ما بين المدينة وبيت المقدس، فتحل المدينة مكان مكة، ويكون القياس شمالا لا جنوبا. وقد تكون المسافة في جنوب الجزيرة ما بين عدن وعمان على طول حضرموت، حتى يحدث التقابل بين ظمأ حضرموت وري الحوض. وقد تتحدد المسافة أكثر فأكثر بالمسيرة بين نقطتين؛ فالمسيرة بين عدن وعمان شهرا، وما بين مكة وأيلة شهرا، وما بين صنعاء والمدينة شهرين، وقد كانت هذه الجهات تمثل أطراف الأرض القصية في الجزيرة العربية؛ وبالتالي يدل قياسها على اتساع الحوض وكثرة الماء بالتقابل مع قحط الجزيرة.

5

زواياه مربعة دليلا على الاتساق الهندسي، مستو ماؤه ضد الهيجان، صفحته هادئة ضد الأمواج حتى يصح الشرب في هدوء وسكينة، لونه أبيض ناصع مثل اللبن، مثل كل شراب الجنة، وطعمه أحلى من العسل، ورائحته أطيب من رائحة المسك. أمينه جبريل عليه حارس مع علي، ويصرف أمته بالضرة والتحجيل؛ مما قد يدل على بعض الصور التي تنشأ في مجتمع الاضطهاد والانتقال من الفقر التام إلى الغنى التام. من الناس من يشرب منه لدفع العطش، ومنهم من يشرب للتلذذ، ومنهم من يشرب لتعجيل المسرة. الشرب الأول حاجة، والثاني متعة، والثالث ازدياد. على الحوض ولدان صغار ذكورا وإناثا يخدمون الآباء والأمهات، وهي صورة المجتمع البدوي القبلي. في أيديهم أكواب وأقداح ومناديل لتجفيف الفم، وعليهم قباب الزخرف والنقوش. قد تكون الأقبية من الديباج، والمناديل من نور. بأيديهم أباريق من فضة وأقداح من ذهب. كيزانه كنجوم السماء باعتبار العدد أو اللمعان. يسقي الولدان آباءهم وأمهاتهم إلا من سخط الله عليهم فلا يسقونهم، فيتفرق الولدان عن آبائهم وأمهاتهم، وتمحى عاطفة الرحمة والبر بالوالدين في يوم الفراق، وكأن الله يفرق بين الابن وأبيه والبنت وأمها على الحوض. من شرب منه يوم القيامة لم يظمأ أبدا، وكأن في شربه أعظم لذة من شراب الجنة. ولا يشرب منه إلا من قدر له عدم دخول النار، وكأن من يدخل النار قد قدر له العطش في الأولى وفي الآخرة، قبل الحساب وبعده،

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٥٣