تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

ولكن تظل الروح جسما والحياة عرضا لها. ومع ذلك تظهر بدايات التمرد على هذا التصور حين اعتبار البدن آفة على الروح وباعثا على الاختيار، وكأن الروح تتململ من وجودها في البدن، وتتمرد عليه، وتبغي التمايز عنه والاستقلال منه والخروج عليه. ولو خلص الروح من البدن لكانت كل أفعاله على التولد والاضطرار. وقد تصبح النفس معنى بين الجسم والجوهر؛ حتى يمكن الجمع بين التصورين المادي والروحي. وقد يحدث التمايز بين النفس والروح، وبين الروح والحياة؛ فالحياة عرض. وفي هذه الحالة، يكون النوم سلوب النفس والروح دون الحياة. ولكن، هل النفس عرض للجسم، آلة يستعين بها على الفعل؟ هل هناك روحان في كل جسد؛ روح اليقظة تغيب عند النوم، وروح الحياة التي تفارقه عند الموت؛ فالموتة موتتان؛ موتة عند النوم، وموتة عند الموت؟ وقد ارتبط هذا التصور المادي النسبي، الروح باعتباره نفسا وحياة وعرضا، بالبيئة الحضارية القديمة بعد عرضها على العقل والسمع وإيجاد بعض المشروعية لها، خاصة وأنها تجمع بين المطلبين العلمي والديني، العقلي والسمعي.

37

وقد تكون جوهرا متعلقا بالبدن غير داخل فيه ولا خارج عنه، ولا تكون جسما ولا عرضا. وهو أيضا تصور متوسط بين المادي والروحي، لا يبعد عن المادي، ولا يصل إلى الروحي.

38

وفي وسط هذه التصورات للروح لا ينسى الموضوع الأساسي، وهو المعاد والثواب والعقاب والغاية من إعادة الروح إلى الأجساد، ولكنه أيضا يتم تصوره على نحو مادي مكاني؛ فهناك أماكن للروح بعد الموت، وتختلف أماكن أرواح السعداء عن أماكن أرواح الأشقياء. قد تكون أرواح السعداء بأفنية القبور، أو في البرزخ عند آدم في السماء الدنيا، ولكنها لا تستقر على حال، تسرح حيث شاءت، وقد تصل إلى الشام، وقد تعود إلى بئر زمزم، وهي متفاوتة في مكانها أعظم التفاوت، كسبق على تفاوت مراتبها في الجنة. أما أرواح الكفار ففي بئر في حضرموت، سجين في الأرض السابعة السفلية. الأرواح السعيدة حرة تسرح كيفما شاءت، والأرواح الشقية سجينة. الأولى في السماء، والثانية في الأرض. الأولى في الارتفاع، والثانية في الانخفاض.

39

والحقيقة أن كل هذه التصورات لمكان الروح إنما هي شخصية خالصة طبقا لاختيار المكان. فكيف تكون أرواح السعداء فوق أبنية القبور، وهي كما تعلم من حال المقابر مكان الموبقات والفارين والهاربين واللصوص والأشقياء؟ وإذا كان اختيارها لزمزم ما يبرره، فما سبب اختيارها لجابية الشام؟ هل لأن هناك بيت المقدس؛ وبالتالي تكون هناك عدالة في التوزيع والاختيار بين القبلتين مكة والقدس؟ ولماذا تصعد في البرزخ عند آدم في السماء الدنيا وتترك الأرض؟ وهل السماء مكان؟ وأين يكون التفاوت في الأرض، على أفنية القبور أو في مكة أو في القدس؟ ولماذا تكون أرواح الأشقياء في حضرموت؟ هل لأسباب جغرافية صرفة؛ الحر، الجفاف، أم لأسباب سكانية؛ الوحدة والعزلة ووحشة الصحراء، أم لأسباب سياسية؟ ولماذا لا تتفاوت مراتب الأرواح في الأرض طبقا لسوء الأعمال؟ وإذا كانت الأرض عيبا تبقى فيها الأرواح الشريرة ولا تصعد إلى السماء، فإنها أيضا إحدى اختيارات الأرواح الطيبة. وكيف يمكن التمييز بين الأرواح الطيبة والأرواح الخبيثة والحساب لم يتم بعد، والأعمال لم تعرض بعد، وكأن الحكم قد صدر قبل الدفاع؟ ونظرا لهذه الصعوبات كلها في تصور الروح مسبقا يمكن التوقف عن الحكم، وتفويض الأمر، والإمساك عن الخوض فيه.

40

وقد يستدل على عدم الخوض فيها، وبأنها سر ضد الاعتقادات الشائعة، بأنها شيء يخرج من فم الميت، وبأنها كالهواء أو الأثير عند الطبائعيين المتأخرين، أو كالحيوانات الصغيرة جدا التي توجد في الحياة، والتي لا ترى حتى بالمجسمات والمكبرات للمرئي، أو كالعقار الصغير، أو شرارة النار، أو الجزء الصغير من السم، أو المغناطيس غير المرئي وخاصية الجذب ولا يرى بالعين؛

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٤٠