33
فكما أن الموت قد لا يكون مجرد حادثة طبيعية بتوقف وظائف الحياة، بل يكون موتا شعوريا، فكم من الناس أحياء وهم أموات، وكم من الناس أموات وهم أحياء، فكذلك قد لا يكون البعث واقعة مادية تتحرك فيها الجبال، وتموج فيها البحار، وتخرج لها الأجساد، بل يكون البعث هو بعث الحزب، وبعث الأمة، وبعث الروح. فهو واقعة شعورية تمثل لحظة اليقظة في الحياة في مقابل لحظة الموت والسكون؛ ولذلك كانت مشاهد البعث كلها حياة وحركة؛ يعني البعث استمرار الحياة، وأن الموت ما هو إلا حالة عارضة؛ لذلك آثر كثير من الأدباء تسميتهم رواياتهم «البعث»، وكثير من السياسيين تسمية حزبهم «البعث»، وهو الاسم المفضل عند جميع رواد النهضة الحضارية لدى كل شعب وعند كل أمة. (4) المعاد الروحاني
وفي مقابل رجعة الأموات والمعاد الجسماني والبعث، وكلها تتطلب إعادة الحياة إلى الجسد، مما يسبب صعوبات نظرية ومشاكل يصعب حلها، يأتي المعاد الروحاني واضعا حدا لهذه الصعوبات، ومستبعدا معظم الإشكاليات، مستغنيا عن الجسد كلية؛ فالمعاد للأرواح وحدها، وهي التي ستنال الثواب أو العقاب، ولكن استبعاد إشكاليات إحياء الجسد أوقع في إشكاليات أخرى بالنسبة للروح. فإذا كانت الإعادة ممكنة بشكل ما، فماذا تعني الروح في المعاد الروحاني؟ (أ) ماذا تعني الروح؟
التصورات تتفاوت بين التصورات المادية والتصورات الروحية؛ فقد تكون الروح جسما لطيفا شفافا ينتشر في البدن ويتشابك معه، يصعد ويهبط، ويعرج ويرد إلى البرزخ، وهو جسم ذو صورة وشكل وهيئة، لا في الظلمة والكثافة والرقة واللطافة؛ فالصورة أقرب إلى طبيعة الروح من المادة، والشكل أنسب لها من الثقل والوزن، والهيئة أكثر ملاءمة لها من الكثافة والظلمة. وإن رفع الروح والعروج به في حواصل طيور خضر إلى الجنة، والهبوط به إلى سحيق النار، يدل على أن الروح جسم، كما أن إقبال بعضها في يوم «ألست بربكم» بوجهها والبعض الآخر بظهرها، دليل آخر على أنه جسم. الروح هنا صورة الجسم أو هيئته، لما كانت الصورة هي مبدأ التفرد للجسم والتعين للمادة. ولكن يظل الإشكال قائما: هل الروح جسم؟ وما صلته بالبدن؟ هل هما متحدان ما دامت الروح جسما أم متمايزان؟ وما وجه التمايز؟ قد تكون أقرب إلى الاتحاد كما هو الحال عند المتكلمين، أو أقرب إلى التمايز كما هو الحال عند الحكماء. ولكن لا يوجد مكان للروح في الجسد، وإلا إذا قطع عضو في حيوان قطع عضو في الروح؛ وذلك لأن لطافتها تقتضي سرعة انجذابها من العضو المقطوع قبل انفصالها. وإذا كانت بالجسم، هل تكون بالبطن أو القلب؟ ولماذا لا تكون في الدماغ وهو آخر ما يموت من جسد الإنسان؛ إذ تصعد الروح من القدمين إلى الرأس؟ قد يكون اتصال بعضها تنجيزيا، أي دفعة واحدة، والبعض الآخر تدريجيا. الأول بالطفرة والثاني بالتطور. الأول بالخلق والثاني بالطبيعة. وقد تظهر الحياة في الجسد عادة، وليس بملامسة الروح له؛ وبالتالي تكون الروح علة مقارنة، وليست علة فاعلة.
34
وقد ظهر هذا التصور المادي للروح في إطار التصورات المادية القديمة التي انتشرت في البيئة الحضارية؛ فقد كانت الروح جسما ماديا يوصف بالطول والعرض والعمق. وهو تصور طبيعي صرف، لا يدخل في الاعتبار صلتها بالبدن. وقد تكون لها صفة الحد والنهاية؛ وبالتالي لا تفارق البدن عند الموت؛ ومن ثم لا تميز الحيوان في شيء.
35
وقد يتحدد الروح بالنفس، ويكون هو مصدر الحياة ومبدأها. ولا يختلف في هذه الحالة أيضا عن الجسد أو أحد عناصره مثل الدم أو المزاج، وهو اجتماع العناصر الأربعة في معنى خامس، أو الحرارة الغريزية، أو الأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ، والذي يتولد من حركة الدم في الشرايين والأوردة التي بها حياة كل حيوان، ولا تختص بنوع الإنسان وحده، وهو موضوع علم التشريح.