تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتوبة هي الحالة الثانية التي يسقط فيها الاستحقاق؛ فإن لم يسقط العقاب بالإحباط والتكفير فإنه يسقط بالتوبة. ولا تزول آثار الأفعال السلبية إلا بعقد العزم والإصرار على التغيير، وليس بمجرد تداخل الأفعال، وإلغاء النفع للضرر، والإحسان للإساءة. ومن لقي الله مسلما تائبا من كل كبيرة، أو لم يكن عمل كبيرة قط، فسيئاته كلها مغفورة، وهو من أهل الجنة، ولو بلغت سيئاته ما شاء الله لها أن تبلغ. التوبة من الكبيرة عامل مرجح في الموازنة.

30

وقد تكون التوبة بالقول إذا كان الفعل قولا، وقد تكون بالفعل إذا ما تحول الفعل السيئ إلى بناء واقعي دائم. التوبة هنا هدم للبناء القبيح، ومعاودة لبناء جديد أفضل؛ لذلك تأتي التوبة آخر فصل في الكتاب؛ كي تكون خاتمة الأعمال التوبة؛ أي تجدد الفعل إلى ما لا نهاية، والبداية المستمرة من جديد على البراءة الأصلية.

31

والتوبة لغة تعني الرجوع والإنابة؛ أي الإبطال؛ واصطلاحا التراجع عن الزلات. ويتضمن تعريف التوبة ثلاثة أشياء: ترك الزلة في الحال، والندم على ما فات، وعقد العزم في المستقبل على عدم العودة إليها. فهي فعل من أفعال الشعور الداخلة، أفعال القلب، قبل أن تكون فعلا من أفعال الشعور الخارجية، أفعال الجوارح. التوبة إذن معرفة درجات الفعل ومراتبه بين الأعلى والأدنى، وترك الأدنى إلى الأعلى طبيعة واختيارا.

32

لذلك كانت للتوبة شروط ثلاثة: الأول ترك المعصية في الحال، على الفور دون تأخير، وفي اللحظة وليس في الديمومة، كفعل حر طبيعي دونما مقارنة أو انتظار أو تدبر أو حساب، وإلا كان الأمر مجرد إعادة حساب وليس توبة؛ فهي أقرب إلى الفعل الحدسي منه إلى الفعل الاستدلالي. ولا يهم أن يكون عيب التأخير هو تراكم الذنوب، وزيادة الذنب الأول ذنبا ثانيا، بل المهم هو عدم تحول الإدراك إلى فعل فوري؛ وبالتالي عدم تجدد الفعل في الحال. كما يتضمن التغير الفوري رد المظالم، وإعادة الحق إلى أصحابه؛ فالتوبة ليست فقط فعل نقاء للضمير، بل هو فعل اجتماعي؛ تصحيح للواقع الفعلي، وإلا كانت التوبة فعل شعور فارغ لا مضمون له؛ مجرد ستار على الظلم وتبرئة للذمة أمام النفس.

33

لذلك انقسمت التوبة إلى حق الله وهو الجانب المعنوي، وإلى حق البشر وهو الجانب المادي الذي ترد فيه المظالم.

34

والثاني الندم على ما فات. والندم فعل شعور يتعلق بفعل واقع خرج على مبدأ عقلي وعلى بناء واقعي، ويتضمن جانبي الفعل المعنوي والمادي، ويكون مصاحبا بالتألم والأسى والحزن على ما وقع من معاص؛ لذلك كانت التوبة تقع من فعل مضى، وليس من فعل مستقبل؛ فالمعصية لا يعقد العزم على إتيانها في المستقبل مقرونة بالتوبة منها؛ فذاك سوء نية. ويمكن للندم أن يتجدد كالتوبة، وكلما تجدد زالت آثار المعصية من النفس، وانتزعت من جذورها وآثارها.

35

وهو فعل عاقل يتم به إدراك وجه القبح في الفعل الماضي، ووجه الحسن في الفعل الحاضر والمستقبل، في الفعل الجديد. وقد يظهر الندم في صورة الاعتذار كفعل من أفعال اللسان أو الشعور. والاعتذار هو إصدار حكم خلقي على النفس أمام الآخر مع رد المظالم، وإرجاع الحق إلى أصحابه، وهو فعل فردي في حق من وقعت الإساءة في حقه؛ من فرد إلى فرد، ومن فعل لفعل. وإن وقع للجماعة فالاعتذار يكون لها، وهو فعل طبيعي ناتج عن الندم، يسقط بموت المساء إليه؛ وبالتالي يخالف البدل والعوض العجلين في الدنيا.

36

والثالث العزم على عدم العودة إلى الفعل المسيء في المستقبل. والعزم من أفعال القلوب والجوارح، نية وفعلا، وهو آخر فعل في التوبة؛ فترك الزلة في الحال والندم وحدهما لا يكفيان لإتمام فعل التوبة دون التزام شعوري وفعلي في الزمان؛ فترك الزلة في الحال وحدها كفعل وقتي غير ممتد في الزمان لا يكون توبة، والندم وحده دون أن يكون مصاحبا للعزم على أمثال ما ندم عليه في المستقبل لا يكون توبة.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٠٦