27
ولا يعني القول بالإحباط أنه لو جمع المكلف بين الطاعات والمعاصي أن يكون مثابا معاقبا في حالة واحدة؛ وذلك لأن كل واحد منهما يسقط الآخر، فإذا سقط الأقل بالأكثر لم يجب ذلك؛ فالقانون هو إسقاط الأقل بالأكثر، ولكن ما العمل إذا استوى الطرفان؟ هؤلاء هم أهل الأعراف، لهم وقفة أمام النار ولا يدخلونها، بل يدخلون الجنة. ومن رجحت كبائره وسيئاته بحسناته فهم مجازون بقدر ما رجح لهم من الذنوب من لفحة واحدة إلى بقاء 50000 سنة في النار، ثم يخرجون منها إلى الجنة بشفاعة الرسول ورحمة الله بقدر ما بقي لهم من حسنات! وما لم يفضل له حسنة من أهل الأعراف فمن دونهم. وكل من خرج بالنار بالشفاعة وبرحمة الله فهم كلهم سواء في الجنة، حسنة فصاعدا! فهل هذه الحالة واردة؛ حالة تساوي الحسنات والسيئات، أم إنه إذا حدث ذلك فالإنسان بطبيعته إلى الخير أقرب لما كان الشر طارئا عليه؟ وماذا تعني الوقفة أمام النار دون دخولها؟ هل ذلك جزاء لاستواء الطرفين؟ وقد تحرق الوقفة ثم يكون المسار إلى الجنة بلا استحقاق.
28
وفي روايات أخرى يترك الأمر للمصادفة المحضة بعد أن يسير الإنسان على خيط رفيع أحد من السيف وأدق من الشعرة، إن وقع يمينا ففي الجنة وإن وقع يسارا ففي النار! وكأن جهد الإنسان وعمله ونيته ينتهي به الأمر إلى المصادفة العشوائية! وكيف يسير الإنسان على هذا الخيط الرفيع الأحد من السيف والأدق من الشعرة؟ وكيف يسير البشر كلهم عليه الذين وقعوا في هذا التساوي، وكأنه اختيار آخر ومحنة أخرى، وقد انتهت دار التكليف وهم في دار الجزاء؟ وكيف يكون الترجيح طبقا لشفاعة الرسول بلا مبرر عقلي من قانون الاستحقاق؟ وهل سيشفع الرسول لكل أهل الأعراف؟ وإذا كان هناك مقياس للشفاعة فلماذا لا يكون منذ البداية مقياسا للترجيح بزيادة الثواب؛ وبالتالي دخول الجنة عن استحقاق؟ كما أن الترجيح طبقا لرحمة الله أيضا بلا مبرر عقلي، وكسر لقانون الاستحقاق بالتفضل، وقضاء على العدل بالرحمة. وكيف توضع شفاعة الرسول مع رحمة الله كعلة مرجحة على المستوى نفسه، وكأن الله أصبح رسولا أو الرسول إلها؟
ومهما يكن من شيء، فإن الإحباط والتكفير لا يكونان إلا في الصغائر. أما الكبائر فإن عقابها لا يزول بكثرة الطاعات، ولا ينقطع إلا بالتوبة. وإن تراكم الصغائر لا يجعلها كبيرة، وكأن التراكم الكمي لا يؤدي إلى تغير كيفي. ومن عمل الكبائر ومات عليها قبل التوبة وله حسنات رجحت كبائره عند الموازنة. أما من هم بسيئة ثم تركها مختارا فتكتب له حسنة، فإن تركها مغلوبا لم تكتب حسنة ولا سيئة تفضلا من الله، ولو عملها كتبت له سيئة واحدة؛ ولو هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات. كل ذلك لأن الأعمال بالنيات، وأن الأفعال مرهونة بمقاصدها؛
29
فأفعال الشعور أقرب إلى الخير، فإذا ما تحققت إلى أفعال خارجية تضاعف الخير. أما النوايا السيئة إذا لم تتحول إلى أفعال خارجية عن طريق حرية الإرادة، فإنها تظل أقرب إلى الخير بفضل ممارسة الحرية. إن المهم في ذلك كله هو تطبيق العدل بعد ممارسة الحرية. ولا يهم في ذلك قياس الأفعال إيجابا وسلبا على نحو كمي متخارج، بل دلالتها على الأفعال على نحو متداخل؛ فقد يكون في عمل واحد نية وصدق، وفي أعمال كثيرة ضعف وتكاسل. لا يعني الإحباط والتكفير إذن مجرد إلغاء الأكثر للأقل إلغاء كميا، بل يعني احتواء النفع للضرر، والحسن للقبيح، والإحسان للإساءة، والخير للشر. ليس المهم في ذلك وقائعها الأخروية، بل آثارها ونتائجها الدنيوية في دفع الناس نحو الخير تطابقا مع الطبيعة، وحرصا عليها من الزيف، وتأكيدا على تجدد الأفعال، والقدرة على تجاوز الأفعال السيئة طالما وجد الزمان واستمر التكليف. (ب) التوبة