32
ومع ذلك يظل لعلم الكلام المتأخر الفضل في تأسيس نظرية العلم على أساس أن مبادئ العلم بينة بذاتها دون التوحيد التام بين النظرية العقلية والموضوعات الكلامية. واعتماد علم الكلام على النظرية العقلية كاعتماد أصول الفقه على اللغة العربية اعتمادا لا ينفي استقلال موضوع علم الكلام أو موضوع الأصول؛ ومن ثم تكون مبادئ الشرعي في غير الشرعي دون أن يؤدي ذلك إلى وقوع في الدور؛ لأن مبادئ غير الشرعي بينة بذاتها. النظرية العقلية هي في نفس الوقت نظرية في البداهة، وبالتالي يمكن تأسيس العلم لأن هناك نقطة يقينية أولية هي البداهة العقلية، خاصة إذا كان الشرعي نفسه يقوم عليها.
33 (6) اختفاء نظرية العلم
وتبدأ نظرية العلم في الاختفاء حتى في المؤلفات المتأخرة التي يكتمل فيها العلم. ففي زحمة الموضوعات الكلامية وفي مقدمتها موضوع التنزيه، والذي يبتلع ما دونه من الموضوعات، تختفي نظرية العلم وكأنها مقدمة غير ضرورية أمام الإلهيات.
34
وفي عصر الشروح والملخصات تبدو نظرية العلم وكأنها تجميع بني نظرية المعرفة ونظرية المنطق دون أن تأتي بجديد، باستثناء عرض بعض المسائل التي ظهرت من قبل، ودون أية مساهمة في الكشف عن أحد جوانب البناء أو إعادة البناء كله من جديد. فنظرية العلم التي بدأت كمسائل متفرقة عادت أيضا كما بدأت بضع مسائل متفرقة، وفقدت رابطها الداخلي وعنفوانها النظري الذي استطاعت به أن تؤسس الإلهيات.
35
ثم تحول الوجوب العقلي والوجودي الذي صاغته نظرية العلم بعد اكتمالها إلى الوجوب الشرعي. وأصبح على المسلم أن يؤمن بالواجب الشرعي الذي أصبح بديلا عن الواجب النظري. اختفى النظر، وأصبح الإيمان بالعقائد بمثابة إقامة الشعائر، كلاهما تسليم بنظر أو بعمل، وتقبل للواجب دون أي إعمال للعقل، وهو ما عرف باسم كتب العقائد والثناء عليها، والإكثار منها ومن شروحها، وتدريسها في المعاهد الدينية والكليات الأزهرية حتى الآن، بل لقد عرفت العقائد باسم واضعها؛ نظرا لأنها لا تتمايز في شيء إلا باسم عارضها.
36
ويستعاض عن النظر بالتقليد الذي رفضه علم أصول الدين المتقدم حتى للجمهور. وتستمر نظرية العلم في التواري حتى يتحول علم أصول الدين إلى علم إيماني خالص، يحل فيه الإيمان محل العلم، والتسليم محل العقل، والتقليد محل النظر.
37
بل إن موضوعات العلم ذاتها لم تصبح نظرية خالصة تتأسس بالعقل، بل أصبحت قضايا نظرية شرعية اعتقادية، وبالتالي فقد النظر مهمة التأسيس.
38
وفي الحركات الإصلاحية الحديثة، لم تظهر محاولات لإعادة نظرية العلم من جديد، وصياغة المدخل النظري لعلم أصول الدين، كما كان الحال من قبل، بل استمرت نظرية العلم في الاختفاء، وحل محلها وصف لتطور العلم في التاريخ لمعرفة ما هو أصيل منه وما هو دخيل عليه. الغاية من تحديد مسار العلم في التاريخ هي معرفة كيفية الانتقال من الوحدة إلى التشتت، ومن الجماعة إلى الفرقة، حتى يمكن تجاوز الحالة الراهنة، حالة التشتت والفرقة، إلى الحالة الأولى، حالة الوحدة والجماعة؛ وبالتالي يعود علم أصول الدين إلى ما كان عليه من توجيه لسلوك الناس نحو العمل.
39
وتنتهي «الرسالة» أيضا بنفس الهدف، وصف مسار الوحي في الواقع وتوجيهه له، والعودة إلى هذا التوجيه، وهنا يتحول التاريخ إلى قيمة، والنظر إلى عمل، ويعود علم التوحيد كما كان في بدايته حركة في التاريخ، يغير الواقع، ويبني المجتمعات، ويؤسس الدول قبل أن يتحول إلى علم حضاري نظري، وكأن الإنسان لا يؤسس النظر إلا بعد أن يتوقف العمل.
40
وفي حركة إصلاحية أخرى، تختفي المقدمات النظرية ولا يستعاض عنها بأي بديل في وصف التاريخ، بل يتحول التوحيد إلى عمل مباشر، وذلك بتوجيه النصوص الدينية مباشرة نحو الواقع وكأنها سهام موجهة إلى الأوضاع المتردية التي تعيش فيها الجماعة. التوحيد هنا ليس هو التوحيد النظري، بل التوحيد العملي.