تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

وابتداء من القرن السادس عندما تسربت مسائل علوم الحكمة إلى علم أصول الدين تحددت نظرية المنطق أساسا كنظرية في التصورات والتصديقات، وكأن علم أصول الدين أصبح ممثلا لعلم حضاري شامل يضم علوم الحكمة، كما سيضم فيما بعد في مرحلة توقف الحضارة علوم التصوف.

25

بدأت نظرية المنطق في التخلي عن الحجج النقلية، واعتبرت هذه الحجج غير مفيدة لليقين، وأنها لا تفرد إلا الظن لاعتمادها على اللغة نقلا وتفسيرا. أصبحت الحجج المؤيدة هي الحجج العقلية، كما أصبحت نظرية العلم نظرية في العقل الخالص.

26

وفي دوائر المعارف المتأخرة، ظهرت نظرية العلم أيضا متداخلة مع نظرية المنطق. فبعد تحديد العلم وتعريفه باعتباره نظرية في المنطق قل الفصل بين العلم والوجود، وأصبح المنطق هو علم الوجود، وأصبح لدينا علم صوري واحد يتحدد في المنطق باعتباره نظرية في العلم، وفي الوجود باعتباره نظرية في المنطق. وظهر ذلك أساسا في أحكام العقل الثلاثة: الواجب والممكن والمستحيل.

27

وقد شملت نظرية العلم في المؤلفات المتأخرة تحليلا للعقل والوجود، والعقل هنا يشمل الحس والوجدان، والوجود يضم المنطق والوجود العام. لقد حاول كثير من علماء أصول الدين من قبل التعرض إلى مشاكل العلم وتأسيس نظرية عقلية يقوم عليها العلم. فخرجت مرة عقلية، ومرة أخرى وجودية، وثالثة نفسية، ورابعة جسمية، وخامسة علمية. ولكنها تمت جميعا باسم العقل وكأنها كانت جميعا تحليلات للعقل ولصور العقل. ظهر العقل إذن في أكثر من صورة، فهو في نفس الوقت نظرية في العلم، ونظرية في الوجود، وهو الغالب.

28

وأحيانا يتجاوز تحليل العقل كونه مقدمة عامة للعلم كله إلى أن يصبح مقدمة لكل موضوع كلامي؛ فالحديث مثلا عن مراتب العلوم، والعلة والمعلول، والشرط والمشروط، والحقيقة والحال، وصفات النفس وصفات المعنى يمكن أن يدخل ضمن المقدمة العامة للعلم كما يمكن أن يدخل كأساس نظرية لمسألة الصفات.

29

وأحيانا يتسع تحليل العقل حتى يطغى على الموضوعات الكلامية ذاتها، ويصبح علم أصول الدين مجرد نظرية في العلم ونظرية في الوجود، ويتحول علم «اللاهوت» إلى «أنطولوجيا» عقلية خالصة، وكأن هذا التحول هو مصير كل علم إنساني. فإذا تتبعنا المؤلفات الكلامية لمعرفة نسبة المقدمات النظرية إلى الموضوعات الكلامية نجد أن المؤلفات المبكرة تبدأ كتاريخ للعقائد أو كعرض لها دون مقدمات نظرية تذكر. ثم تبدأ المقدمات النظرية في الظهور تدريجيا حتى تكون في نسبة مساوية للموضوعات الكلامية في المؤلفات المتوسطة . ثم تبدأ المقدمات النظرية في التمدد والانتشار على حساب الموضوعات الكلامية التي تبدأ في الاختفاء تدريجيا حتى تصبح هذه المقدمات النظرية التي تشمل على تحليل العقل هي العلم كله، وكأن «اللاهوت» لا يظهر إلا في مرحلة مبكرة في بناء العلم، ولكن بعد أن يتطور العلم ويكتمل يتلاشى اللاهوت، ويظهر التحليل العقلي الأنطولوجي الخالص.

30

وفي آخر ما وصل إلينا من مؤلفات كلامية بدأت الإلهيات في الاختفاء تماما، وأصبحت تسمى «العقليات» أو الواجب، وهو الوجوب العقلي، ولم يتبق من علم أصول الدين القديم إلا السمعيات.

31

ولولا توقف العلم في القرون الأخيرة لتطور ولابتلعت المقدمات النظرية - نظريتا العلم والوجود - الموضوعات الكلامية كلها، وتحول علم أصول الدين إلى علم إنساني خالص.

والسؤال الآن: لماذا سادت علوم الحكمة أولا، ثم علوم التصوف وعلوم الفقه ثانيا؛ علم أصول الدين المتأخر؟ هل تم ذلك لتوحيد العلوم الإسلامية في علم حضاري واحد يجمع بين التنزيل والتأويل، بين النظر والذوق، أم أنه هزيمة لعلم الكلام الأشعري الذي ساد منذ القرن الخامس حتى الآن، بما في ذلك الحركات الإصلاحية الحديثة، والذي كان بطبيعته قابلا للتأقلم مع باقي العلوم النقلية العقلية؟ فالفلسفة إشراقية، والتصوف أشعري، والفقه يقوم على الطاعة المطلقة للإرادة الإلهية، والنظام الاجتماعي السياسي نظام تسلطي يهمه الإبقاء على هذا التراث طالما يحث على طاعة أولي الأمر.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ٧٩