تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

لا يقال ذلك لأن مجتمعاتنا الحالية تحتاج أولا إلى تأسيس النظر، وإعمال العقل، واكتشاف الواقع من حيث هو فكر؛ فمأساتنا هو حضور الأسطورة مكان العلم، والخرافة بدل العقل، والوهم كبديل للنظر، ونحن لم نتعب من عمل العقل بعد ولم نمل منه ولم نر مخاسره ولا مثالبه، فكيف نرفض ما لا نملك؟ وكيف نهدم ما نريد بناءه؟

9

إن العيش في الواقع مباشرة يتم عن طريق العمل والجهد، وهو ما نحن فيه بجهادنا من أجل لقمة العيش، ومحاولتنا للتغلب على الضنك، وصراعنا من أجل البقاء. ويكون ذلك أيضا في حالة الاسترخاء التام أو السعادة القصوى أو اللذة اللحظية بعد عناء الجهد ومشاق العمل، وتأدية الرسالة.

10

إنما المهم هو التنظير والفهم، وإدراك مسار الأمور حتى يكون صراعنا مجديا، قائما على أساس وليس أهوج فرديا انفعاليا، مجرد تعبير عن صرخة الحياة والرغبة في البقاء. ولا يقال إن الاختصار هو المسئول عن غياب نظرية العلم، فالاختصار لا يصل إلى حد القضاء على الأساس المعرفي للوجود وعلى تحليل العقل للواقع وعلى تأسيس العلم. (3) ظهور نظرية العلم كنظرية في المعرفة

تظهر نظرية العلم في المؤلفات المتقدمة مرتبطة بالإلهيات عندما ينقسم العلم إلى علم الخالق وعلم الخلق، العلم القديم والعلم الحادث، العلم الإلهي والعلم الإنساني. وتظهر نظرية العلم منبثقة عن الإلهيات كمولود جديد حتى تأخذ شكلها الكامل المستقل كنظرية في المبادئ أو الأحكام في المؤلفات المتأخرة. وبالتالي يكون كل عود إلى العلم الإلهي رجوعا عن هذا الانبثاق الجديد وإرجاعا للعلم إلى مرحلة ما قبل النشأة والظهور. في حين أنه يمكن تأسيس العلم الإلهي نفسه باعتباره علما إنسانيا، وذلك لأن الوحي قد نزل في زمان معين ومكان محدد، ولدى شعب بعينه، فهمته العقول، وتمثلته الأذهان، وطبقته الإرادات، وحققته الأفعال؛ وبالتالي فهو علم إنساني كما حدث في علم أصول الدين وعلم أصول الفقه خاصة.

11

والعلم الإنساني بتحليلاته الصورية قادر على الحفاظ على صفات العمومية والشمول والموضوعية التي يتصف بها العلم الإلهي، ألا وهو الوحي، كما أنه قادر على صياغة علم صوري خالص يقوم على المبادئ الأولى في لا زمان، وقد أصبحت الإلهيات نفسها جزءا من نظرية العلم، ودخلت ضمن المعرفة الاستدلالية.

12

ثم يظهر انقسام العلم الإنساني إلى ضروري واستدلالي، وفي العلم الضروري تثبت المعرفة الحسية والبداهية العقلية، وفي العلم الاستدلالي يثبت النظر، ثم يبدو النظر كأول واجبات المكلف، خاصة عند المعتزلة الذين يجعلون النظر أول الواجبات.

13

وأصبح الإيمان جزءا من النظر وليس مصدرا مستقلا للمعرفة. ويدخل النظر، لأهميته وباعتباره أول الواجبات ضمن نسق كامل لنظرية الواجب، ويصبح أحد الواجبات أو أولها.

14

بل يتحول الواجب العقلي إلى واجب شرعي، فتظهر بذلك نظرية الوجوب أو التكليف على ثلاث جماعات: العامة، والعلماء، والسلطان، وكأن واجب المواطن، وواجب العالم، وواجب الحاكم نفس الواجب، خاصة واجب العالم الذي عليه إرشاد المواطن والرقابة على السلطان. ليس واجب العالم التمويه على المواطن وتبرير أفعال السلطان كما يحدث في عالمنا هذا في أغلب الأحيان.

15

ثم تكتمل نظرية العلم شيئا فشيئا، فتظهر مضادات العلم: الشك، والوهم، والجهل، والتقليد، والإلهام، فالعلم لا يتأسس إلا بعد رفض المعارض، وتطهير الشعور الإنساني من معوقات العلم، ويبدأ تفنيد نظريات الشك وإثبات الحقائق وإمكان معرفتها. هناك شيء موجود يمكن معرفته، سواء كان ماديا أو صوريا.

16

ثم يظهر النظر باعتباره شرط العلم وتكون الصلة بينهما صلة الشارط بالمشروط، والعلة بالمعلول. وينقسم إلى صحيح وفاسد. الصحيح هو القائم على الدليل، والفاسد هو الذي لا يقوم على دليل أو الذي يقوم على دليل خاطئ. النظر هو الاستعمال الصحيح؛ أي أنه هو النظر السليم، يحتوي على معيار صدقه من داخله. كما يظهر التمييز بين النظر الجلي والنظر الخفي، وبالتالي تبدو نظرية العلم على أنها أساسا نظرية في الوضوح. ثم يظهر النظر مرتبطا بالدواعي والخواطر، مما يدل على ارتباط العلم أساسا بالشعور وبسكون النفس. وبالتالي أصبح حد العلم هو العلم الشعوري أو حالة العالم، مرتبطة بحياته، ومنتهية بمنيته. كما ترتبط المقاصد والدواعي بالمنفعة والضرر الناشئين عن فعل النظر أو تركه.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ٧٧