| الفصل الثالث: نظرية العلم
| أولا: نشأة نظرية العلم وتطورها
(1) مصطلح «نظرية العلم»
يشير مصطلح «نظرية العلم» إلى المقدمات النظرية التي غالبا ما تكون في مصنفات علم أصول الدين التي تعرض لموضوعات العلم دون الفرق.
1
ولكنها قد تظهر أيضا في تلك المصنفات التي تجمع بين موضوعات العلم وتاريخ الفرق؛ هي ليست إذن مقصورة على المؤلفات النظرية وحدها، بل قد تكون مقدمة نظرية لتاريخ الفرق التي تعرض الموضوعات من خلالها.
2
ويمكن القول إنه في المؤلفات المبكرة عندما كان العلم أقرب إلى تاريخ الفرق منه إلى البناء المستقل لنسق العقائد تظهر نظرية العلم كمقدمة لتاريخ الفرق، وكأن تاريخ العلم لا يمكن تناوله إلا بعد مقدمة نظرية عن العلم نفسه، وفي المؤلفات المتأخرة عندما يختفي تاريخ الفرق تماما، ويظهر بناء العلم مستقلا عن التاريخ، تظهر نظرية العلم أيضا باعتبارها مقدمة للعلم ذاته من حيث هو بناء.
3
نظرية العلم إذن هي المقدمة الضرورية لعلم أصول الدين، سواء من حيث هو تاريخ أو من حيث هو بناء. ويبدو أنه نظرا لأهمية هذه النظرية، فإن بعض المؤلفات التي تجمع بين التاريخ والبناء تبدأ بنظرية العلم، وتنتهي بنظرية العلم، ويكون العلم ذاته تطبيقا لهذه النظرية الخالصة في تأسيس العلم.
4
ومصطلح «نظرية العلم» يعبر عن هذه المقدمات النظرية التي لم تستقر على مصطلح لها إلا في المصنفات المتأخرة.
5
ففي المؤلفات المتقدمة نجد حديثا عن العلم أو التكليف، كما نجد كلاما في العلم والنظر والمعارف وتكافؤ الأدلة، ونجد أيضا تحليلا لمناهج الأدلة وبيانا للحقائق والعلوم. ولكن تحولت هذه الموضوعات في المؤلفات المتأخرة إلى أبواب مستقرة تحت اسم «أحكام النظر» أو «المبادئ» أو «المقدمات»، وأصبحت المدخل النظري للعلم إجابة على سؤال: «كيف أعرف؟» أو «كيف أعلم؟». وهي الأبواب التي سميناها «نظرية العلم». العلم مصطلح من القدماء، ونظرية مصطلح من المحدثين والقدماء على السواء؛ فقد تحدث القدماء عن العلوم النظرية، كما تحدث المحدثون عن «نظرية في كذا». ولما كنا نحاول أن نصوغ هذه المقدمات باعتبارها مدخلا نظريا لعلم أصول الدين فقد سميناها «نظرية العلم». (2) غياب نظرية العلم
في المؤلفات المتقدمة قد لا تظهر نظرية العلم وكأن علم أصول الدين قد بدأ أولا دون مقدمات نظرية، بل كان مجرد عرض لقواعد الإيمان ومبادئ العقيدة. لم تكن الحاجة قد نشأت بعد إلى ضرورة عرض العلم عرضا نظريا دون افتراض إيمان مسبق بالعقائد أو حتى بالوحي.
6
فقد قام الإيمان مقام العلم أولا. فإذا ما ظهرت نظرية العلم فإن ظهورها يكون تطورا طبيعيا للإيمان وتحويلا إلى مستوى النظر. الإيمان في الحقيقة هو نظرية العلم، ونظرية العلم هي التطور الطبيعي للإيمان. فلما ظهر «المعارض» العقلي في الحضارات الأخرى، موجها ضد العقيدة الجديدة، الفاتحة أرضا، والمنتصرة جندا، والمقوضة عروشا، والهازمة جيوشا؛ اضطر علم أصول الدين إلى اللجوء إلى المستوى النظري في التحليل للرد على المعارض ودرء الأخطار النظرية ورد الهجوم بالمثل؛ فتحول الإيمان التقليدي إلى نظرية في العلم، ودخلت مسائل النظر والعلم والمعرفة والدلالة كأساس مشترك بين العلم الجديد الناشئ وبين علوم الحضارات الغازية؛ إذ لا تقل أهمية المنهج عن أهمية الموضوع. كان الحوار بين الحضارات هو التطور الطبيعي للذات الحضارية الجديدة البازغة. لم ينغلق علم الأصول على ذاته، واستبقى الإيمان، بل انفتح على الحضارات الغازية، وتعامل معها بأسلوبها وبلغتها، واستعمل مناهجها وطرق استدلالها. وعلى هذا النحو تأسست نظرية العلم تأسيسا حضاريا.
7
وعندما تغيب نظرية العلم، يبدأ العلم بنظرية الوجود مباشرة؛ أي بتحليل العلم، وهو ما عرف فيما بعد باسم دليل الحدوث، وكأن موضوع المعرفة سابق على الذات العارفة، ويمكن معرفته مباشرة دون ما حاجة مسبقة إلى معرفة وسائل المعرفة أو مناهجها. تلجأ الذات مباشرة دون ما حاجة مسبقة إلى معرفة وسائل المعرفة أو مناهجها. تلجأ الذات مباشرة إلى العالم، موضوع المعرفة دون أن تتساءل كيف تعرف أو كيف تعلم، وقبل أن نجيب على سؤال ماذا تعرف أو ماذا تعلم؟ والحقيقة أن افتراض العلم مسبقا دون رؤية منهجية له مخاطر غير محسوبة العواقب، قد تكون من أسباب خلطنا المعاصر، وتخبيطنا في الواقع دون رؤية أو بصيرة، وكأننا نعيش في عالم الأشياء المصمتة بلا ترشيد أو تعقيل أو تنظير، في عالم لا يحكمه الفكر. فالواقع لا يتحدث عن نفسه، والوجود ليس علما. ولا يقال إن لذلك الغياب، غياب نظرية العلم، والبدء بالوجود مباشرة دلالة أعمق في جعل الوجود هو المعرفة. والبداية بالوجود هي في حد ذاتها نظرية في المعرفة، وكأن الوجود في العالم هو وجود تنشأ منه المعرفة، والمعرفة تالية على الوجود وليست سابقة عليه.