تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما تشخص الطبيعة تطبع الأشخاص وتصبح الأفعال أيضا من الموضوعات الطبيعية. وهذا ما يبدو في السؤال عن جنس الأعراض الذي يخلط بين مقولة منطقية وبين فعل إنساني وظاهرة طبيعية. كما يكشف عن رغبة في تجاوز العالم الطبيعي وظواهره إلى العقل المنطقي بأجناسه وأنواعه كنوع من الإحكام والسيطرة عليه. والمنطق الصوري تصور مثالي للعالم ويصح أن يكون قالبا للفكر الديني. قد يكون السؤال لا معنى ولا دلالة إلا من حيث كشف عن الصراع بين الفكر العلمي الطبيعي والفكر الديني «الإلهي»،

18

الأول لا يفرق بين ظاهرة وظاهرة، يضعها كلها تحت المجهر، في حين أن الثاني يرتب المظاهر بين الأعلى والأدنى طبقا لمراتب الشرف والكمال.

وكيف يثار سؤال عن رؤية الأعراض والأجسام ما دامت الظواهر والأشياء محسوسة مرئية أمامنا؟ يبدو أن كثيرا من المسائل ليست مشاكل، بل تمرينات عقلية أو مشاكل مفتعلة لإظهار بواعث دينية تدفع إلى التعظيم والتبجيل وإحداث الفصم في الشعور بين الأدنى والأعلى، بين الناقص والكامل، لا فرق في ذلك بين الأعراض، الحركة أو السكون أو اللون. قد تكون عقيدة عدم جواز رؤية «الله» هي السبب في القول برؤية الأعراض والأجسام حتى يظهر الاختلاف والتباين بين المستويات. وإنكار الحكماء رؤية الأجسام ليست بدافع ديني، بل لتوسط الألوان والأضواء، مما يجعل الأجسام ليست مرئية بذاتها. وإذا كانت رؤية «الله» جائزة عند الأشاعرة، فلأنه موجود وشيء؛ فالأشياء بالأحرى تكون مرئية مما يدل على حفاظ الحكماء على الفرق بين المستويات أكثر من حفاظ الأشاعرة، وأن تنزيه الحكماء ظل قائما في حين تحول تنزيه الأشاعرة إلى تشبيه وتجسيم.

19

إن معظم التساؤلات حول الأعراض والجواهر تمرينات عقلية من أجل إثبات صريح أو ضمني لقدرة مطلقة لإرادة مشخصة.

20

وتكون الإجابة باستمرار إجابتين: الأولى تغليب القدرة على الطبيعة من حيث المبدأ، والحفاظ على المبدأ، والتضحية بالطبيعة، وهو موقف خاطئ؛ لأن المبدأ ليس في حاجة إلى دفاع عنه، بل الذي في حاجة إلى احترام ودفاع هما الطبيعة والإنسان. ولا تكون طريقة الدفاع بالهجوم على الطبيعة والنيل منها والطعن في قوانينها والقضاء على استقلالها والتضحية بها، بل باحترامها وإدراك قوانينها الثابتة وتسخيرها لصالح الإنسان، وهو دفاع صوري بلا مضمون، دفاع مجاني بلا ثمن، يكشف عن مزايدة رخيصة على إيمان العقلاء وعقل الحكماء ومشاهدات العلماء. ويؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى سيادة الفكر الديني على الفكر العلمي. ويؤصل لكل النظم التسلطية والأنساق المطلقة في السياسة والاجتماع والقانون والأخلاق. وهذا يعني استمرار التخلف؛ إذ إن التقدم مشروط باكتشاف الطبيعة واستقلال قوانينها. وهو وقوع في الثنائية المتعارضة التي يعطى فيها لطرف كل شيء ويسلب عن الطرف الآخر كل شيء، فتصبح الحياة توترا بين قطبين: إيجاب مطلق وسلب مطلق، يتمثل الحاكم الأول ولا يبقى للمحكومين إلا الثاني، والسبب إثبات قدرة «الله» على حساب عجز الإنسان! ويا ليت ذلك قد أدى إلى المحافظة على التنزيه، بل جعل «الله» ساحرا وليس قادرا. واستخدام الطبائع كبرهان على وجود «الله» قبل الأوان يكشف عن الهدف النهائي من هذا الموقف. فيستعاض عن الحدوث بالتضاد والتنافر الذي يستحيل اجتماعهما إلا بقاهر لهما. فيؤدي ذلك إلى القضاء على الطبائع واستقلال قوانين الطبيعة، وتفسير اجتماع الطبائع بالعلل الخارجية وليس من ذوات الأشياء؛ فالهزيمة ترجع إلى القدرة والفقر للقسمة والنصيب. وتقوم العلل الخارجية بالجمع بين الأضداد عن طريق القهر والغلبة وتأكيد السلطة على الطبيعة والبشر؛ فالدليل يثبت حق السلطة أكثر مما يثبت الذات المشخصة؛ أي إنه دليل صفة وليس دليل ذات. وكأن الهدف إثبات ضعف الإنسان وعجزه أمام الطبيعة وعدم قدرته على الجمع بين الأضداد لأنه خاضع تحت القهر شأنه كالطبيعة، لا حيلة له ولا قدرة. وينتهي الأمر إلى تصور «الله» على أنه قاهر للطباع، ومضاد لطبائع الموجودات، وأنه يجمع بين المتناقضات. وهو التصور البدائي للألوهية تعبيرا عن العظمة والقوة والسلطان، وإنكارا لقوانين الطبيعة، وتأييدا للقهر الاجتماعي في الأخلاق والسياسة، أو اغترابا عن الواقع وجهلا بمكوناته وبنيته أو هروبا إليه تعويضا عن فقد العالم وحلا وهميا لأزمات العصر. وغالبا ما يكون حل المتناقضات عن طريق الجمع بينهما وليس عن طريق قضاء أحدهما على الآخر مما يسمح بوجود طبقات اجتماعية متنافرة في نظام اجتماعي واحد، وبالتالي يلغى الصراع الاجتماعي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ١٧٨