60
أو السؤال عن الإيمان المباشر أو الجمع بين عقائد الإيمان وأحكام العقل.
61
وقد يفيض الشراح المتأخرون في شرح أحكام العقل بشرح كلمة «العقل» واعتباره سرا روحانيا تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية، عمله في القلب، ونوره في الدماغ، وابتداؤه من حيث نفخ الروح في الجنين، وأوله كمال البلوغ؛ أي تفسير العقل على أنه شيء، وضياع التأسيس النظري لوظيفة العقل؛ فيصبح عقلا نورانيا إشراقيا بلا موضوع وبلا وجود.
62
| ثانيا: ميتافيزيقا الوجود أو «الأمور العامة» (الواجب)
تشير ميتافيزيقا الوجود إلى الأمور العامة أو الأحكام الكلية، أو «الممكنات» التي يتحد فيها العقل والوجود دون تشخيص عقلي في «واجب الوجود»، كما هو الحال عند الحكماء. أي أن نظرية الوجود تبدأ بأكثر المبادئ عقلية وشمولا، وفي نفس الوقت تمحى التفرقة بين المبدأ والواقع، بين الفكر والوجود. وهي ممكنات لأنها ما زالت في نطاق العقل والأحكام الصورية الخالصة دون إثبات شيء بالفعل وكأنها تصف عمل العقل في الوجود أو عمل العقل في نفسه أو رؤية الوجود لذاته.
1
وتشمل ميتافيزيقا الوجود أو «الأمور العامة» خمسة مباحث: الوجود والعدم، والماهية، والوجوب والإمكان والاستحالة (الامتناع)، والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول. لبها مبحث الوجود والعدم، وأقلها مبحث الوحدة والكثرة. وتتساوى الأبحاث الثلاثة الأخرى كما.
2
ولأول مرة في القرن السادس تظهر بناءات عقلية جديدة مستمدة من الحكماء مثل الوحدة والكثرة والعلة والمعلول، وهي موضوعات ميتافيزيقية خالصة تجمع بين الفكر والوجود، وتساعد على تطوير علم التوحيد من علم معرفي إلى علم وجودي صوري بالرغم من أنها أبنية عقلية تطهرية تسمح بظهور الفكر الديني التقليدي. فالعلة هو «الله» والمعلول هو العالم، والوحدة هو «الله» والكثرة هو العالم. ويبدو أن إسقاط هذا البعد الأول من نظرية الوجود إنما كان نتيجة لتشخيص الفكر الديني الذي استمر في الأشعرية السائدة والتي أصبحت حتى الآن مقياسا للقراءة والاختيار. (1) الوجود والعدم
لما كانت نظرية العلم إجابة على سؤال كيف أعلم؟ فإن نظرية الوجود إجابة على سؤال: ماذا أعلم؟ وإذا كان السؤال الأول قد أجاب عن سؤال ما العلم؟ فإن السؤال الثاني يجيب عن سؤال ما المعلوم؟ موضوع العلم إذن هو المعلوم. وعلى هذا النحو تتحول نظرية العلم إلى نظرية الوجود، وكأن نظرية العلم لم تكن إلا تحليلا للذات العارفة، في حين أن نظرية الوجود تحليل لموضوع المعرفة ولأقسام المعلومات. وفي علم الكلام المتأخر يصبح لنظرية الوجود الصدارة المطلقة على نظرية العلم، فينتقل المنطق كله من نظرية العلم إلى نظرية الوجود. فبعد أن كان منطقا نظريا أصبح منطقا وجوديا، ويأخذ ذلك كله اسم «الممكنات»؛ فالممكن هو الجامع للمنطق النظري وللمنطق الوجودي على السواء.
3
المعلومات هي الموجودات، وتحليل الموجودات يأتي عن طريق الأحكام العقلية؛ فالعقل وسيلة لتحليل الوجود. (1-1) قسمة المعلوم
ويأتي تحليل المعلومات عن طريق القسمة عند المتكلمين والحكماء على السواء؛ فالمعلوم عند المتكلمين إما موجود أو معدوم؛ لأن المعلوم أعم من الموجود لأنه قد يكون موجودا أو معدوما. وينقسم الموجود إلى قديم وحادث، ثم ينقسم الحادث إلى جسم وجوهر وعرض. وهنا تبدو القسمة العقلية تعبيرا عن إيمان ديني خالص؛ لأن مقولة «القديم » استباق لموضوع الصفات وافتراض ديني إيماني مسبق؛ إذ لا يوجد إلا الحادث كوجود عيني. أما القديم فهو افتراض ذهني خالص يأتي عن طريق القلب أو التضاد بالاقتران أو التضايف. فالموجود القديم كالعلم القديم، كلاهما مطلوب إثباته، وبالتالي فلا يدخلان في نظرية العلم أو في نظرية الوجود كبناء أولاني نظري خالص. فكما تداخلت الإلهيات في نظرية العلم في قسمته إلى قديم وحادث تدخلت أيضا في نظرية الوجود في قسمته إلى قديم وحادث، وهي القسمة المبدئية التي لا مبرر حسيا لها، بل تعبر عن مجرد الإيمان الخالص وتتخلى عن التعقيل من أجل تأسيس العلم وتأصيل الوجود. قسمة الوجود إلى قديم وحادث افتراض مسبق، وهو المطلوب إثباته، أي إنه استدراك على المطلوب، واعتباره مسلمة. أما قسمة الحادث إلى جسم وجوهر وعرض، فإنها تقوم على مفهوم التحيز؛ أي الوجود في المكان؛ فالحادث إما أن يكون متحيزا وهو الجوهر أو حالا في متحيز وهو العرض أو لا هذا ولا ذاك. فالجوهر والأعراض هما ببساطة الشيء وصفاته. أما الجسم فهي مقولة ثالثة لإفساح المجال للأفلاك والأجرام والكواكب طبقا لعلم الفلك القديم. فإذا كانت القسمة الأولى الجوهر والأعراض لها ما يبررها في علوم الطبيعة في الصفات الأولى والصفات الثانية، فإن القسمة الثالثة وهو الجسم حكم مسبق مفروض على الطبيعة لخدمة غرض ديني خالص. كما أن الذي منع القسم الثالث من الوجود الذي لا يكون متحيزا أو حالا في متحيز هي عاطفة التأليه ورفض مشاركة الموجودات العينية في صفات الموجود القديم وهو «الله». قسمة المتكلمين إذن في بدايتها علمية، وفي مقصدها ليست علمية؛ لأنها تدخل المطلوب إثباته كأحد فرعي القسمة، وهو الموجود القديم، كما أنها تجعل القسمة الثالثة فارغة لإعطاء الفرصة للذهن لنفيها خشية الشرك، وكأن وظيفة العقل هو إفساح المجال لتأسيس العقيدة.