24 (2-4) هل الإيمان معرفة وتصديق دون إقرار وعمل؟
بعد العلاقات الثنائية التي تقوم على إثبات طرف واستبعاد طرف آخر، المعرفة والتصديق، المعرفة والإقرار، والمعرفة والعمل، تأتي علاقات ثنائية أخرى تقوم على إثبات طرفين من الأبعاد الأربعة واستبعاد طرفين آخرين؛ وبالتالي يثبت الإيمان كمعرفة وتصديق لما كانت المعرفة شهادة باطنية وتجربة شعورية، ثم يتم استبعاد الإقرار والعمل؛
25
فهل تكفي الشهادة الباطنية دون الشهادة الخارجية؟ وما الفائدة من طاقة باطنية دون تحقق خارجي؟ ويظل هذا الاختيار هو الأمثل لدى الصوفية أصحاب التجارب الباطنية دون الإعلان عنها لا بقول ولا بفعل. وإذا كانت الغاية من الطاقة هي تحويلها إلى حركة فإن بقاءها في المعرفة والتصديق دون القول والفعل لهو كتمان لها، ثم تفريغها تدريجيا حتى تفرغ الذات ويبقى الواقع كما هو بلا تغيير. (2-5) هل الإيمان معرفة وإقرار دون تصديق وعمل؟
وقد يستبقى بعدان، وهما الإيمان والمعرفة، ويستبعد بعدان هما التصديق والعمل.
26
وفي هذه الحالة يكون الإيمان مجرد معرفة نظرية تتخارج في القول، من الذهن إلى اللسان، من العقل إلى الشفتين، معرفة رياضية منطقية لغوية دون أن تتحول إلى تصديق؛ أي إلى تجربة معيشة وبرهان وجداني، ودون أن تتحقق في فعل بالجهد والمعاناة والمقاومة؛ فالمعرفة لا تتضمن التصديق؛ أي استحالة تعيين مضمون في النفس أو في الواقع. قد يعلم الإنسان تحريم الخمر، ولا يعلم هذا اللحم بالذات هل هو لحم خنزير أم لا؛ ويعلم الصلاة إلى الكعبة كفرض، ولكنه لا يعلم هل هذا الاتجاه هو الكعبة أم لا؛ وقد يعلم أن الرسول محمد، ولكنه لا يعلم هل هو هذا العربي أم الزنجي! فما الفائدة إذن من المعرفة بلا برهان وبلا تعيين؟ وما فائدة الإقرار حينئذ. صحيح أن التطابق مع الواقع ليس مقياسا للحقيقة، ولكن التطابق مع النفس ومع التجربة يجعل للمعنى واقعا، وللفكر مضمونا، وإلا أدى عدم التعيين إلى فصل الفكر عن الواقع، وعزلة الشعور عنه، وإخراجه من الزمان والمكان، والاكتفاء بالعمومية والصورية الفارغة. إن تعيين التوحيد والعدل لا يكون في أشخاص أو وقائع، ومع ذلك فإن التصديق بهما هو شرط تحويل هذين الأصلين العقليين إلى بنية اجتماعية وإلى مجتمع يقوم على المساواة والعدل. وحتى لو كان في العقل واجب مبدئي، فإن ذلك لا يغني عن التصديق؛ أي وجود هذا الواجب في التجربة البشرية، فلا يكون فقط واجبا عقليا، بل رسالة إنسانية. والخضوع ليس بعدا من أبعاد الشعور، ولكنه نتيجة للمعرفة والقول، وأقل من التصديق والعمل، مجرد تمثل للمعرفة واستسلام لها. ولكن قد تؤدي المعرفة أيضا إلى الثورة والغضب والتمرد، وليس بالضرورة إلى الخضوع؛ فالخضوع للفكر قد يعني التمرد على الواقع. والمحبة بالقلب مثل الخضوع نتيجة طبيعية للمعرفة وقبل التصديق. والمعرفة بالقلب أقل من التصديق؛ فالقلب هنا لا يعني إلا الذهن أو العقل، ولكنه لا يعني التحقق من صدق المعرفة بتطابقها مع الدلالة في الشعور. وإن اللجوء إلى الخضوع مرة وإلى المحبة مرة أخرى يجعل المعرفة أقرب إلى الطريق الصوفي؛ مما سهل بعد ذلك ازدواج الأشعرية بالتصوف منذ القرن الخامس حتى قبيل الحركات الإصلاحية الأخيرة. ومع ذلك فإنه على هذا النحو يقترب الشعور من التعين والخصوصية وإتيان الأفعال، وعدم الاقتصار على شمول المعرفة وعمومية الإقرار. وقد يخرج الشعور أيضا من المعرفة والإقرار الباردين إلى محبة الأولياء وكراهية الأعداء، أو تحليل ما أحله الله وتحريم ما حرم الله، وهو وسط بين التصديق والفعل، أكثر من التصديق، وأقل من الفعل. وقد تكون المعرفة دون الإقرار إيمانا، والإقرار دون معرفة إسلاما، واجتماع المعرفة والإقرار هو اجتماع الإيمان والإسلام. ومع ذلك يظل التصديق والعمل أقرب إلى الإحسان. وإذا كان الإيمان قد أصبح المعرفة والإقرار، أي الداخل والخارج، فأسهل أن يكتمل ويصبح التصديق والعمل؛ فالمعرفة والتصديق جانبان لشيء واحد، وهو التحقق بالكلمة وبالفعل. وإذا كان القول أحد أنماط السلوك، فإن العمل المباشر أيضا تعبير عن التصديق بالفعل. وعلى هذا النحو يتحقق الداخل ببعديه في الخارج بأفقيه، وتكتمل وحدة النظر سواء كان معرفة أو تصديقا، وفي العمل سواء كان إقرارا أو عملا. (2-6) هل الإيمان معرفة وعمل دون تصديق وإقرار؟