تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا تم إثبات البعدين؛ الأول وهو المعرفة، والأخير وهو العمل؛ واستبعاد البعدين الأوسطين، الثاني وهو التصديق، والثالث وهو الإقرار؛ فهل يمكن أن تتحقق المعرفة والعمل دون تصديق وإقرار؟ ليس الإيمان فكرا فقط يتحول إلى عمل فقط؛ لأن الفكر بناء شعوري، والقول أحد مظاهر السلوك؛ فإذا كان الشعور في حالة من الفكر والعمل فإنه يكون شعورا آليا يعطي أساسا نظريا، ويتجه تلقائيا إلى العمل المباشر دون أساس وجداني ودون إعلان بالقول. وإذا تخارجت المعرفة في العمل، فلماذا لا يتخارج التصديق في القول؟ وأيهما أفضل؛ أن تتحقق المعرفة مباشرة في العمل، فيكون الإنسان أشبه بالحاسب الآلي الذي يعرف ويقرر، أم أن تكون المعرفة شعورية، وأن يتم الإعلان عن العمل بالكلمة كمن يبارز منشدا ، ويحارب شاعرا؟ إذا كانت بالمعرفة والعمل برودة الآلة، فإن بالتصديق والإقرار حرارة الشعر.

27 (2-7) هل الإيمان معرفة وتصديق وإقرار دون عمل؟

في العلاقات الثلاثية إذا تم إبقاء الأبعاد الثلاثة الأولى واستبعاد الرابع، يصبح الإيمان معرفة وتصديقا وإقرارا دون عمل، فهل هذا ممكن؟ إذا ثبتت المعرفة كنظر وتجربة باطنية، كاستدلال ويقين داخلي، ثم تخارجت في القول والإعلان، فما المانع أن تتخارج بالفعل وتتحقق في الممارسة؟ إن مثل هذا الموقف قد يشابه موقف المثقف المتأزم العاجز عن الإتيان بأي فعل بالرغم من معرفته ووجدانه وقوله وكلمته. وهل يكفي الشاعر شعره، والأديب روايته وقصته، دون ممارسة كل منهما لصدقه الفني في قيادته لأمته ونضاله في سبيلها؟ وإذا كانت المعرفة بالقلب، أي معرفة وتصديق، وتخارج الطاقة في الكلمة، فالكلمة ما هي إلا مقدمة للفعل و«خرطوشة» طلقة، وصوت قذيفة.

28

صحيح أن اجتماع المعرفة والتصديق والإقرار يمنع الكذب من النفس، ولكنه لا يمنع الفسق والعصيان إذا ما عارض الفعل المعرفة أو التصديق أو الإقرار. وكيف يقول المسلم شيئا ويفعل نقيضه؟ وإذا فعل الشيخ ذلك فإنه ينطبق عليه كثير من الأمثال العامية التي تشير إلى هذه الثنائية في هزء وسخرية. وإذا كانت المعرفة صادقة مرة بتحولها إلى تجربة ثانية، وقد بلغت قوة صدقها إلى أن تحولت كلمة، فإن وقوعها قبل الفعل عجز لا مبرر له، إلا نقص في التصديق العملي، وحصار لامتداد الكلمة في الواقع. إن اجتماع أبعاد الشعور الثلاثة الأولى، المعرفة والتصديق والإقرار، يمنع النفاق، وهو القول بلا تصديق، كما يمنع الجبن وهو المعرفة بلا إقرار، ويمنع عدم الالتزام وهو المعرفة بلا تصديق. ومع ذلك فإنه يمنع من الفعل المباشر، ويحاصر الشعور، ويجعل الإنسان شاعرا غير مناضل. فإذا كان الكفر ضد الإيمان، أي معرفة بمعرفة، فإنه ضد الفسق أيضا، أي دون إسقاط العمل. وإذا كان جحد الله بالقلب فقط كفرا وليس باللسان، فإن لبس الإيمان بظلم هو إسقاط العمل منه. وإذا كان الكفر يزيد وينقص، وكذلك الجزاء، فإن ذلك ليس فقط بسبب المعرفة، ولكن أيضا لتفاضل الأعمال. وإذا كان الكافر يكون كذلك لتركه المعرفة أو التصديق والإقرار، فالأولى أن يكون ذلك بتركه الأعمال. وإذا كان بعض الإيمان إيمانا، فالأولى أن يكون العمل بعض الإيمان، وليس المعرفة أو الإقرار أو التصديق. وإذا كان السكوت عن الحق كفرا، والجهل كفرا، والنفاق كفرا، فالأولى أن يكون الفسوق، أي إخراج العمل عن الإيمان، كفرا. وإذا كان الكفر جحدا بالقلب، أو معرفة لا يحصل عليها الجميع، أو إقرارا لا يقدر عليه الكل، فالأولى أن يكون ترك العمل الذي يقدر عليه عامة الناس كفرا. ولم يكفر إبليس لأنه لم يعرف، لأنه كان عارفا بربه؛ ولأنه لم يقر، لأنه أقر؛ ولأنه لم يصدق فقط، بل كفر لأنه لم يعمل، ولم ينفذ إرادة الله. إن الجزاء في الآخرة ليس فقط على المعرفة والتصديق والقول، بل على العمل، وعلى العمل وحده، حتى ولو كانت المعرفة والتصديق بها والإعلان عنها معرفة مخالفة للإيمان. يبطل الإيمان إذا سقطت الأعمال، وتتفاضل التصديقات بتفاضل الأعمال. وإن الشعر بالرغم من جمعه بين المعرفة والتصديق والقول إلا أن الشعر المقرون بالعمل هو كمال له، وإلا كان الشعر مجرد غواية وخيال.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٠