17
لقد ركز التراث على طاعة الإمام أكثر من تركيزه على الخروج عليه، وأقام علاقة الإمام بالرعية على الطاعة المطلقة وعدم المعارضة، وعلى تلقي الأوامر وتنفيذها بلا مناقشة، وكأن البشر آلات صماء مهمتهم التنفيذ كما هو الحال في الجماعات السرية والنظم العسكرية والأنظمة التسلطية، وهو قضاء على استقلال الشخصية ودور العقل وحرية الفرد ما دامت علاقة الإمام بالرعية علاقة تسلط وقهر من طرف، وتبعية وخضوع واستسلام من الطرف الآخر. وكثيرا ما كان يخفي تأليه الإمام استغلاله للأمة ما دامت تعتقد في ألوهيته وعصمته وشرعية ما يفعله، وتوجب له السمع والطاعة، وكأن تأليه الإمام كان له هدف سياسي، وهو طاعة الأمة وتبعيتها له. بل لقد أعطى الإمام لنفسه الحق في مطاردة خصومه السياسيين لدرجة قتالهم باعتبارهم أهل الضلالة، واستئصالهم من جسد الأمة؛ فبدلا من قتال أئمة البغي يقاتلون هم معارضيهم والخارجين عليهم، وتتحول طاعة الأئمة إلى إرهابهم للناس من أجل السيطرة عليهم. ويتهم كل من يخرج على الإمام بأنه خارجي بما تحمل من معاني العصيان والخروج على القانون، كما هو الحال في الحركات الإسلامية المعاصرة.
18 (2-2) خلع الإمام
إذا لم يتم فسخ عقد البيعة نظرا لنقض الإمام له بعد عقده وبيعة الناس له، وجب خلعه. وللناس أن يخلعوه إذا ما أخل بأمور الدين وأهمل أحوال المسلمين، وهو ما لأجله أقيمت الإمامة. لا يعزل بالفسوق والفجور فقط، أو بإطباق الجنون عليه، أي بصفات شخصية، بل لإضراره بمصالح المسلمين وظلم الناس وممارسة صنوف التعسف والجور ضدهم وتبذير الأموال. إن كفره وترك صلاته أمور يحاسب عليها في الآخرة، أما في الدنيا فإنما يحاسبه الناس على الظلم واغتصاب الأموال وضياع الحقوق. فإذا استعصى خلعه لقوة شوكته أو لقلة حيلة الناس وضعفهم، فعليهم ارتكاب أدنى المحظورين واختيار أخف الضررين، طاعة الإمام الباغي أو خلعه، وما يترتب على ذلك من الخروج عليه والدخول في معركة غير متكافئة معه. فإذا ما اختارت الأمة الطاعة لأنها أهون الشرين، كانت بمثابة المكره على فعل شيء لا ترضاه، وليس على المكره حرج. إذا كان وجوب العزل لسبب افتراضي مثل وقوع الإمام في يد الأعداء، فإن عزله أوجب لسبب حقيقي، وهو ظلم الرعية والتعسف بها. لا يوجب عزله ظهور من هو أفضل منه، وذلك لجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ومع ذلك يوجب عزله إذا لم يحسن المفضول استخدام القدر من العقل لرعاية شئون الرعية. وقد يكون من الأكرم للإمام المخلوع أن يخلع نفسه بنفسه دون انتظار خلع الناس له إذا ما شعر بعجزه عن تدبير شئون الرعية.
19 (2-3) الخروج على الإمام
ومع ذلك يجب الخروج على الإمام إذا ما عصى وظلم، ولم يقم بشروط العقد من طرفه، ولم يسمع لنصيحة أو لأمر بمعروف أو لنهي عن منكر، ولم يخلع نفسه، ولم يستمع لخلع الناس له. هنا تجب الثورة عليه وإزاحته عن الحكم كفريضة شرعية ما دام قد عطل وظيفة الإمامة. فالخروج على السلطان الجائر فضيلة، ولا يجوز الخروج السري، بل يجب الخروج العلني أمام الناس وعلى رءوس الأشهاد لاسترداد الحقوق وإقامة العدل،
20
بل قد تتحول السلطة ذاتها إلى محرم؛ وبالتالي يتم تكفير كل من لابس السلطان أو جالسه أو عمل معه، فالسلطة مفسدة، وضياع لطهارة القلب ونقاء الضمير.
21
وإذا كان الخروج لا يتم إلا مع إمام، فلأن كل ثورة في حاجة إلى قيادة، وإلا كانت فورة هوجاء بلا تنظيم أو ترشيد. كما أن الإمام لا يخرج بمفرده دون ثورة من الناس على الإمام الظالم ينشأ الإمام من داخلها. وثورة الأئمة بمفردهم دون الرعية تكون أقرب إلى التمرد منها إلى الثورة. فإذا كان التمرد يتم من أجل استرداد حق الإمام الشرعي ضد الإمام المغتصب، فإن ثورة الرعية تتم باسم حق الأمة ضد البغي والظلم.