تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

لا ينعزل الإمام بالفسق والجور؛ لأنها شروط في البداية عند عقد البيعة، وليست شروطا في النهاية حين الالتزام بها. وكأن الإمام مخادع كاذب لا يلتزم بالشريعة إلا من أجل البيعة فحسب طمعا في الإمامة، وهو ضد العدل ظاهرا والورع باطنا، وكأنه محتال على الناس ينوي الغدر بهم. والحجة في ذلك هي الواقع التاريخي؛ فقد انصاعت الأمة لأئمة الجور والفسق ولم تخرج عليهم بعد الخلفاء الراشدين؛ مما يدل على أن طاعة أئمة الجور كانت أقرب إلى تبرير الأمر الواقع منها إلى التنظير والتأصيل له. وقد تثار حجة أن عزل الإمام أو الخروج عليه مدعاة لإثارة الفتنة وإحداث الهرج وإضعاف لشوكة الأمة، وهي حجة التسليم بالأمر الواقع والخوف من التغيير، حجة استتباب النظام والأمن في مواجهة قوى التغيير والثورة. وما أكثر الحجج النقلية التي يمكن انتقاؤها لإثبات وجوب طاعة أئمة الجور، وما أكثر الحجج النقلية المضادة لإثبات ضرورة خلعهم أو الخروج عليهم. وطالما استتب الأمن، واستمر أئمة الجور في الحكم، استمر تراثهم النقلي في السيادة والانتشار حتى يصبح هو التراث الوحيد في وعي الأمة. وطالما تضطهد المعارضة وتستبعد من الحياة السياسية العامة، يختفي تراثها ويصبح في طي النسيان. لا يسمح بالعصيان إلا في الحرام والمكروه، مثل ترك الدخان في الأسواق والمقاهي؛ أي في أمور لا تعم بها البلوى ذرا للرماد في العيون، وتملقا لأذواق العامة. أما في الظلم والجور والنهب والسرقة واغتصاب الحقوق، فالطاعة واجبة!

14

ولما كان هذا الموقف طائفيا صرفا يبرر النظام القائم، كان من الطبيعي أيضا أن يحدث رد فعل عليه من الفرق الأخرى، فرق المعارضة، من أجل تغيير النظام القائم بالسلاح نفسه. فقالت بطاعة إمامها الخاص الذي يخرج بالسيف على أعدائها دون أن تتبرأ من القاعدة عن نصرته. فطاعة الإمام من طاعة الله ضد أن تكون طاعة الله من طاعة الإمام، إذا آمن الإمام آمنت الرعية، وإذا كفر الإمام كفرت الرعية، وهو الوضع نفسه في النظام القائم وتراث السلطة، إلا أن هذه المرة من فرق المعارضة وتراث المعارضة.

15

والحقيقة أن الواقع التاريخي بقدر ما يكون البعض منه مع طاعة الإمام فإن كثيرا منه مع الخروج عليه. وإذا كانت طاعة الإمام واجبة على الإطلاق بلا شروط، فلماذا قتل خلفاء من الأربعة الراشدين، أي من داخل نظام السلطة، وليس فقط استمرار الثورات من داخل المعارضة بكل فرقها الداخلية والخارجية، السرية والعلنية؟

وقد يبلغ حد طاعة الإمام إلى قبول الإمام الجائر وحكم الباغي! فالعقد والاختيار يكون فقط في البداية لا في النهاية، طريقا للبيعة يفعل الإمام بعدها ما يشاء! أما إذا بغا الإمام وطغا بعد ذلك فتظل البيعة الأولى قائمة. فإذا ما تغلب إمام آخر عليه بالقهر دون بيعة فإنه يظل إماما ما دامت تتوافر فيه بعض الشروط العادية مثل الإسلام والعقل، غلبة بغلبة، وبغيا ببغي، بل قد لا تلزم بعض الشروط العادية الأخرى مثل الذكورة أو البلوغ. وعلى هذا النحو يتم التشريع لحكم الطغيان ولأمراء العسكر وسائر الجند، كل ينقض على الحكم وينصب نفسه إماما. وقد كان الأمر في البداية مجرد تبرير لحكم البغاة وأئمة الطغيان، ثم تحول التبرير إلى تأصيل نظري مستقلا عن الواقع التاريخي الأول، حتى أصبح يخلق واقعه الخاص، ويفرز أئمة بغاة وحكاما طغاة.

16

إن أقصى ما يمكن للإمام عمله فيما إذا أخطأ أن يرجع إلى الصواب ولا يمضي حكمه، سواء كان ذلك مقرونا بتوبة أو بدونها. وكأن الخطأ في الحكم مجرد خطأ فردي يعود على الحاكم نفسه دون أن تكون له آثاره على باقي الأمة حربا أو سلما، غنى أو فقرا. كما أن مقاطعة الإمام تجاريا، وعدم الدخول معه في عقود بيع أو شراء، تجعل من الحاكم التاجر الأول والصانع الأول والزارع الأول، علاقته بالرعية علاقة مكسب وخسارة! يكفيه العزل الاقتصادي كمقدمة للعزل السياسي ! وهكذا يتراوح الوضع بين الاستسلام للأمر الواقع وطاعة الإمام الجائر، وبين فسخ عقد البيعة والخروج عليه، وإلا إذا قضى الإمام بحكم جور في منطقة كفرت الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٧٩