تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

إن التأويل عن حسن نية أو عن خطأ غير مقصود له أجران. أما التأويل عن سوء نية أو بخطأ مقصود ففسق. والمتأول معذور إذا كان من داخل الأمة وليس من خارجها، يعمل لصالحها وليس ضدها.

6

الخطأ بالجهل إذن مقبول ما دام الأساس هو المعرفة، سواء أكانت نقلية أم عقلية، نصية أم برهانية، تعتمد على بداهة النص أم على حجة العقل.

7

ولا يكفر من لم تبلغه الرسالة، أو من نقل إليه قول آخر مع خطأ في النقل؛ لأن شرط المعرفة لم يتحقق، وهو الإعلان عنها وتبليغها ثم نقلها نقلا صحيحا متواترا. ولا يمنع ذلك من إمكانية وصول العقل البشري إلى حقائق التوحيد والعدل دونما حاجة إلى نقل، واتفاق العقلاء على تصوراتها العقلية الخالصة بلا تجسيم أو تشبيه.

8 (1) هل هناك كفر نظري؟

إذا كان الإيمان هو المعرفة النظرية، فهل هناك كفر نظري؟ هل المعرفة النظرية المجردة مقياس للإيمان والكفر؟ إن جعل حقائق الإيمان نظرية صرفة مستقلة بذاتها عن العمل والسلوك هو تحويل للوسيلة إلى غاية، والطريق إلى هدف، وقلب البداية إلى النهاية، بل إن المعاند في الحقيقة النظرية الصرفة المنكر لها دون أن يؤثر ذلك في سلوكه، فإنه يصبح شاكا أو لا أدريا أو نافيا على مستوى النظر فحسب، دون أن يؤثر ذلك على سلوكه العملي ووضعه الاجتماعي. الكفر حقيقة، ولكنه ليس بحق عملي، وهناك فرق بين الحقيقة والحق.

9

والحقيقة أن الذهن البشري قادر على الوصول إلى حقائق التوحيد والعدل، وهما الأصلان العقليان اللذان يتفق عليهما جمهور العقلاء. أما السمعيات، مثل النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، فهي أمور عملية لا يكفر فيها أحد؛ فالنبوة تجد كمالها في العقل، والمعاد يتحقق في الدنيا، والأسماء والأحكام خصومات سياسية، والإمامة موقف عملي ونضال سياسي.

10

وقد تحول هذا التكفير النظري إلى عرض لتاريخ الأديان بالنسبة للعقائد النظرية التي يجب تكفيرها بصرف النظر عن أثرها في الحياة الاجتماعية وكيفية ممارستها العملية، وكأن هناك خطأ نظريا مجردا له مقياس نظري خالص، وذلك مثل القول بإلهين أو ثلاثة، أو عبادة الكواكب والأصنام والنار، أو القول بالاتحاد والحلول، سواء أكانت هذه الأقوال من داخل الحضارة أم من خارجها. قد يحدث إنكار نظري لأمور عملية، ويظل الإنكار أيضا على مستوى الكفر النظري، ودون أية علاقة ممكنة بين هذا الكفر النظري والممارسة العملية التي قد تكون أقرب إلى العمل الصالح الذي يعبر عن الإيمان النظري، ويكون مطابقا له.

11

والحقيقة أن المهم ليس هو الإيمان النظري والكفر النظري، ولكن مضمون كل منهما، إيمان بماذا وكفر بماذا؟ أليست كل معرفة معرفة بشيء؟ وإذا كان مضمون المعرفة إما العقليات أو السمعيات، وشملت العقليات أصلي التوحيد والعدل، وضمت السمعيات النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، فإن الإيمان بالرسل أدخل في السمعيات. ويمكن الوصول إلى أصلي التوحيد والعدل بالعقل دونما حاجة إلى النبوة أي إلى الرسل، بل إن الإيمان بالسمعيات مثل النبوة إنما ناتج عن الإيمان بالعقليات بأصلي التوحيد والعدل؛ نظرا لأن العلم والكلام من صفات الذات؛ وبالتالي إمكانية الوحي الذي هو إيصال للعلم من خلال الكلام. كما أن الإيمان النظري لا يقوم على الترغيب والترهيب، أي على الوعد والوعيد، بل على النظرة العلمية للواقع، وعن رغبة الإنسان في تجاوز الحاضر والتعرف على المستقبل للإعداد له. أما موضوع الأسماء والأحكام وموضوع الإمامة فهما مسألتان عمليتان يمكن معرفتهما بتحديد السلوك الأخلاقي للأفراد والنظم السياسية للمجتمعات، وليسا موضوعا للإيمان النظري.

12

وقد لا يتطلب الإيمان بالرسل ضرورة التعيين؛ أي تعيين الرسول كشخص محدد في التاريخ؛ فالرسول مجرد حامل الرسالة، والرسالة يتم تبليغها ونقلها نقلا صحيحا متواترا. لا يوجد تكفير في خطأ تعيين موضوعات العقائد في التاريخ؛ فالتصديق لا يعني تطابق العقيدة مع الواقع، بل تطابق العقيدة مع النفس، وقدرتها على التأثير فيها، والفاعلية في السلوك.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٥