23
وتعرف أبعاد الشعور بتحليل العقل، وقد تعرف أيضا بالنص؛ فالإسلام هو القول، والإيمان هو القول المضاف إلى المعرفة والوجدان، والإحسان هو العمل المضاف إلى القول والمعرفة والوجدان.
24
وقد تكون هناك قسمة أكمل للشعور بناء على الكيف والكم والجهة والإضافة؛ فالشعور الكيفي هو الذي له أبعاده الأربعة، المعرفة والتصديق والإقرار والعمل، أو الثلاثة إذا ما ضم التصديق إلى المعرفة في النظر. والشعور الكمي هو الذي يزيد وينقص لاحتواء مسألة «هل يزيد الإيمان وينقص؟» أما الشعور كجهة فهو مضمون الإيمان الذي عرض من قبل في المضمون النظري للرسالة.
25
أما الشعور كإضافة فهو ما تناوله الحكماء من حيث قسمة الإيمان إلى إيمان العوام وإيمان الخواص.
| ثانيا: النظر
لما كان النظر أساس العمل، فكلاهما جانبان لشيء واحد، كان تحديد الإيمان أولا بالنظر. النظر عمل لم يتحقق بعد، والعمل نظر قد تحقق وأصبح فكرا واقعا. ولكن يظل النظر هو الأساس والبداية وليس العمل، وإلا كان العمل أهوج عشوائيا اندفاعيا بلا أساس. العمل في حاجة إلى أساس أولي هو النظر. والتوحيد بلا نظر لا يكون معرفة. والإيمان ليس موقفا وجدانيا خالصا؛ لأن الوجدان يتأسس نظريا في الفكر، وإلا كان انفعالا أهوج أو هوى أعمى. المعرفة ضرورية. والدليل على صدق النبي واجب، ولو قام به واحد فقط؛ فلا نبوة بلا دليل، ولا وحي بلا برهان. المعرفة سابقة على التصديق كسبق النظر على العمل. الإيمان إذن هو الإيمان العاقل، أو هو باختصار النظر.
1
ومن ثم تكون مشكلة الإيمان والعمل هي المشكلة التقليدية المعروفة في تاريخ الفكر باسم النظر والعمل؛
2
فالإيمان يحتوي على تصور للعالم، ويعطي الأساس النظري الذي يقوم عليه العمل. الإيمان، إن شئنا بلغة العصر، هو الأيديولوجية التي تمارس وتتحقق في صورة عمل. الإيمان ليس مجرد تقبل عاطفي انفعالي، وليس قرارا فرديا أو فعل إرادة، بل هو موقف نظري متكامل، موقف واع يمكن البرهنة على صحته وعلى خطأ نقيضه.
والنظر إما أن يكون ضرورة أو اكتسابا، بداهة أو استدلالا، حدسا أم برهانا. يمكن إذن تحويل الإيمان إلى نظر بأحد هذين الطريقين. وبالنسبة للمعرفة التي تجعل النص في قلبها، فإن الحدس هو الاستخراج من النص. الوضوح في النص والبرهان مستخرج من قضايا العقول. ومع ذلك يظل السؤال الأول قائما في نظرية العلم، وهو: هل المعرفة الضرورية معرفة نقلية أم أنها المعرفة الواضحة بذاتها؟ وإذا كان النقل خاضعا للتأويل ومبادئ اللغة ولأسباب النزول، تظل المعرفة العقلية الواضحة بذاتها هي الأساس. والعجيب أن يأتي إثبات الإيمان كنظر من إثبات النقل أساسا للعقل؛ مما يدل على أن الهدف ليس دفاعا عن النظر أي العقل، بل إخراج للتصديق والإقرار والعمل من الإيمان! والعجيب أن تكون المعرفة إيمانية خالصة وليست معرفة عقلية! المعرفة الإيمانية لفظ آخر للإيمان، وكأن العقل لا يدخل كجزء من التصديق بالرسل كجزء من الإيمان!
3
ولما كان النظر هو أساس العمل كان من الضروري أن يتأسس النظر على أسس يقينية، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالشك في النظر السابق حتى يتأسس النظر الجديد على يقين. الشك نظر في النظر، ونقد للموروث النظري، وتأسيس لليقين النظري، بل إن الشك قد يكون أول الواجبات قبل النظر؛ فالشك هو الطريق إلى النظر. ليس الشك شكا في اليقين، بل هو تأسيس له. ولا يوجد يقين نظري مسبق قبل الشبك كبداية للنظر، وإلا فإن هذا اليقين الأول لا يكون موقفا نظريا. كل يقين يحتاج إلى تأسيس نظري.
4
ولما كانت الحجة النظرية عقلية ونقلية، وكان النقل لا يستقل عن العقل، بل يعتمد عليه، ظهرت ضرورة التأويل؛ وبالتالي لا يمكن تكفير أحد من المتأولين ما دامت الغاية هي المعرفة الاستدلالية، وليست إخراج العمل من الحساب حرصا على الوحدة النظرية للأمة وإن تضارب سلوكها. وإن تحريم التأويل لهو أداة لتكفير الخصوم، تحريمه على الغير وتحليله للنفس.