تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

وعندما يستحكم العناد، يتحول نظام القرابة إلى سلاح سياسي، كل فرقة تحمي عقيدتها كأساس لوحدة مجتمعها، وتحرم الزواج من الفرقة الأخرى؛ أي الجماعة السياسية المعارضة، بل ويقوم مجتمع القهر والغلبة بإشهار هذا السلاح لحصار جماعات المعارضة، ورفضهم ودفعهم خارج المجتمع كمنبوذين أو خوارج عليه.

40

ولا ينطبق ذلك على الزواج وحده، بل أيضا على كل الذبائح والوراثة والصلاة وسائر الحقوق المدنية. ويتعدى ذلك إلى موالاة الأطفال وبيع الدماء وتزويج الصغار وضرورة الشهود والعقود أو عدم ضرورتها.

41

وكيف يمكن إثبات شهود وعقود، والشهود شهود زور، والعقود عقود قهر وغلبة؟ تكفي لذلك شهادة الكرام الكاتبين الذين لا يشهدون الزور مثل شهود كل عصر، وتكفي عقود القلب والنية التي لا قهر فيها ولا غلبة. التزويج بلا ولي؛ فالولي قد خان الأمانة، وبلا شهود؛ فقد شهدوا زورا، وبلا صداق؛ فما أكثر الرشوة! وإذا ما تم بيع إماء المخالفين فإن ذلك يكون نكاية فيهم، وإضعافا لهم، ونوعا من الحرب عليهم. وإذا سبيت نساء المخالفين فإذن ذلك نوع من الإذلال لهم وإضعافهم والقضاء على شوكتهم. وإن تزويج الصغار يكون بمثابة تربية لمجتمع الاضطهاد على الشدة منذ البداية، وإثبات الرجولة المبكرة، ورغبة في التكاثر. كل ذلك إنما يرجع إلى النظرة إلى المخالف؛ هل هو كافر أم غير كافر؟ فلو كان كافرا ظهر التضاد بين مجتمع الاضطهاد ومجتمع الغلبة، ولو كان مؤمنا نشأت علاقة بين المجتمع المغلق والمجتمع المفتوح. والواقع أن كل ذلك إنما نشأ في واقع اجتماعي معين فرض قوانينه وشرائعه، وعبر عن طبيعة الصراع السياسي فيه من خلال فقه الفرق، ولا شأن له بالعقائد إلا من حيث التبرير والشرعية ما دام الفقه فقها دينيا، عبادات ومعاملات. ولا يظهر هنا الخلاف في الفروع في فقه مجتمع الغلبة؛ لأنه بغير ذي دلالة، خلاف جزئي أسري داخل المجتمع القاهر، إنما يظهر الخلاف في فقه الفرق بين مجتمع الغلبة ومجتمع الاضطهاد.

ولا يتعلق الأمر فحسب بنظام القرابة، بل بمؤسسة الزواج كلها؛ فيجوز الزواج من تسعة حاصل جمع اثنين وثلاثة وأربعة كنوع من التحرر من التفسير الأحادي للقانون الذي يعطيه مجتمع الغلبة. وإن إباحة تعدد الزوجات إلى تسعة إنما يكشف عن رغبة في تفجير الطاقات المكبوتة، وهدم شرائع المجتمع، والعيش في عالم من الخيال والمتعة الحسية تعويضا عن ضياع العالم، وخلق مجتمع صغير يحكم الإنسان فيه، وهو مجتمع النساء ودولته الصغيرة بعد أن غاب منه المجتمع الخارجي والدولة الكبيرة. وفي النهاية ما الفرق بين تعدد الزوجات والإماء والسبايا وما ملكت اليمين؟ ألا يدل ذلك كله على حريات جنسية عامة، والفرق فقط بين هذه النظم في الصيغ التشريعية وليس في المضمون، مجرد فرق في الدرجة وليس فرقا في النوع؟

42

وقد يتسع الأمر أكثر فأكثر حتى تحليل زواج المتعة. وإباحة نكاح المتعة إنما يقوم للسبب نفسه؛ تفريجا عن الهم، وإغراقا في الدنيا، ونسيانا للحق الضائع، وانغماسا في شيء بعد ضياع كل شيء. وقد يحل نكاح المتعة بناء على تأويل نص أو اجتهاد عقلي، وليس كرد فعل نفسي على مجتمع القهر، فهل تقع الممارسة بناء على الجواز النظري؟ وقد يأتي رفض نكاح المتعة من مجتمع القهر حتى يظل مجتمع الاضطهاد محكوما بقانون دون التمتع بحرية، حتى ولو كانت في نطاق الجنس. يبدو أن مجتمع الاضطهاد يفرض واقعه على شرعه كما هو الحال عند الجنود القائمين والطلاب المغتربين، إقرارا لواقع إن لم يكن تقنينا لشرع،

43

بل ويصل الأمر إلى نكاح المحارم، نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات الإخوة وبنات بني الإخوة؛ إذ تنتهي جماعات الرفض بالتقوقع على الذات، وتكوين جماعة مغلقة تترابط فيما بينهما دما وبدنا؛ وبالتالي يحل الزواج من المحارم.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٢٨