تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وقد يظهر التشدد والانتقال من الأخف إلى الأثقل حرصا على تماسك الجماعة الداخلي، وأخذا بالشدة دون اللين، خاصة في مجتمع الأقلية المغلق؛ فتكون الصلاة سبع عشرة مرة أو تسع عشرة مرة في اليوم والليلة. واقل الصلاة خمس عشرة ركعة! وقد تكون الصلاة خمسين مرة كل يوم وليلة، وفي كل مرة خمس عشرة ركعة كذلك.

32

فالنقيض يولد النقيض، والضد يحيل إلى الضد، وكأن القهر يأخذ صورتين؛ الأولى اللين والتخفف مع النفس، إذ يكفي قهر المجتمع؛ والثانية الشدة والتصلب، تقوية للنفس لمقاومة قهر المجتمع.

33

وقد تئول الشريعة تأويلا عقليا باردا، وكأن الأمر مجرد حساب ما دام العقل قادرا على فهم عللها واستنباط أحكامها؛ حتى لا يتحكم أحد في السلوك بالنقل اعتمادا على السلطة بعد الكفر بكل سلطة. وفي هذه الحالة قد تكون الصلاة صحيحة في أولها، باطلة في آخرها. تكون صحيحة إذا كانت موصولة، وباطلة إذا كانت مقطوعة.

34

هذان التياران اللين والشدة في باقي الأركان، الزكاة والصوم والحج؛ فتكفي نية الإسلام في الصوم والحج دون نيات خاصة في كل فعل، ويكفي الحج دون وقوف أو طواف أو سعي.

35

ولكن تظل القضية الكبرى هي: هل تجوز الصلاة خلف الفاسق؟ وهنا يظهر التياران نفساهما؛ تيار اللين الذي يجوز ذلك، وتيار الشدة الذي يحرمه. وكل تيار في الحقيقة موقف سياسي؛ فالجواز إنما يعني قبول شرعية الإمام الظالم القاهر، وبالتالي جواز الطاعة له، في حين أن التحريم إنما هو رفض لهذه الشرعية، ورفض لطاعة الإمام الظالم؛ لذلك قالت فرقة السلطة بالجواز بينما قالت فرقة المعارضة بالتحريم. وقد تتم الصلاة خلف الإمام الفاسق تقية، ولكن لا عن اقتناع. وفي هذه الحالة تجب إعادة الصلاة حتى تصح خلف الإمام العادل. ونظرا لأهمية إمامة الصلاة، فإذا جازت الصلاة خلف الإمام الفاسق فإنها لا تجوز في صلاتي الجمعة والعيدين؛ نظرا لأن خطبتي الجمعة والعيدين ركنان من أركان الصلاة؛ فالفسق في العمل لا بد وأن يظهر في القول. وهنا تضيع الإمامة باعتبارها نصحا وقيادة للأمة.

36

وقد يصل الأمر إلى إيقاف صلاة الجمعة حتى يظهر الإمام العادل؛ وبالتالي تتحول إمامة الصلاة وجواز الصلاة خلف الإمام الفاسق إلى رمز للصراع السياسي بين الخصوم السياسيين. كل فرقة تفسق خصمها وتحرم الصلاة خلفه، أو تقول بضرورة الإعادة. ولا يوجد فاسق مطلق تتفق عليه الفرق جميعا.

37

وما يقال في الصلاة يقال في باقي الأحكام، مثل الزكاة والحج والجهاد؛ لأنه من الأقضية والحدود.

38 (2-6) تغيير المعاملات

ولا يكفي تأويل العمل الفردي، أي العبادات، بل يتم التأويل أيضا للعمل الجماعي، أي المعاملات. فإذا كانت العبادات أعمالا فردية مركزة غايتها الحصول على مضمونها، فإنها يمكن أن تتحقق للإنسان بعدة أفعال أخرى في المعاملات، ولكن على نحو أطول. يشمل العمل إذن الفردي والجماعي، العبادات والمعاملات. وهي تفرقة تقوم على تصور للإنسان وكأنه يعيش بين عالمين في وقت واحد، العالم العلوي وعالم الآخرين، العالم المجرد وعالم الناس، مرة في خط عمودي وأخرى في خط دائري، مرة في بعد رأسي وأخرى في بعد أفقي. وتتراوح المعاملات بين الأحوال الشخصية، أي علاقات الزواج والطلاق؛ والعلاقات المالية، أي قسمة الأموال وتوزيعها؛ والعلاقات الاجتماعية، أي الولاية والعداوة ابتداء من الشهادة الفردية حتى علاقات الحرب وأسباب القتال. والمعاملات الشخصية هي لب المعاملات، والذي تتحد فيه علاقة الفرد بالآخر، الرجل بالمرأة من أجل تكوين البذرة الأولى للجماعة، وهي الأسرة، والتي فيها يتكون الأطفال، والتي تكون مركز الأسرة الكبيرة، وهي القبيلة. والقضية الكبرى هي: هل يجوز نكاح المسلم لمسلم آخر ليس من المذهب نفسه؛ أي الفرقة؟ فلم تعد الفرقة وحدها سببا في السؤال حول شرعية إمامة الصلاة، بل أيضا حول شرعية الزواج؛ فالمجتمع المغلق يحرص على تقوية بنيته الداخلية والعلاقات الوثيقة بين أعضائه. يحرم زواج المؤمنة من مسلم آخر ينتسب إلى المجتمع المفتوح، وهو مجتمع الغلبة والقهر، حتى لا يتميع النظام ويظل التضاد قائما بين المجتمعين؛ فالاتفاق العقائدي وليس الاتفاق في الدم والنسب هو أساس القرابة، في حين أن مجتمع القهر والغلبة يبيح زواج المسلمة من المسلم بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف العقائدي لما كان هو المجتمع الأقوى، ولا يخشى من انفتاحه على الآخرين، بل إن من صالحه التزاوج والتصاهر بينه وبين الفرق المعارضة حتى يخترقها فتنكسر المعارضة، وتقوى روابط النسب والمصاهرة. وعلى أقصى تقدير، يمكن للمؤمنة الزواج من مسلم مخالف في المذهب في دار التقية وحدها، وليس في دار الإعلان، حماية لمجتمع الاضطهاد حتى تقوى شوكته فيحافظ على التضاد في النسب.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٢٧