20
وعلى عكس إباحة كل شيء يأتي تحريم كل شيء، وكلاهما واحد، تحليل المحرمات أو تحريم المحللات نكاية في القانون، في واضعيه أو القائمين عليه. وقد ينتقل الأمر من الإباحة إلى التحريم أو من التحريم إلى الإباحة في جدل دائري يعبر عن الرغبة في كسر القانون والتحرر منه؛ فالحلال المطلق والحرام المطلق كلاهما بديلان يتناوبان ولا وسط بينهما. البعد عن الدنيا من أجل الإقبال عليها، والإقبال على الدنيا من أجل البعد عنهما، والطرفان يلتقيان. هل التمتع بالدنيا تعويض عن فقدها، ولا حيلة للمقهور إلا الانغماس في اللذات، الخمور والنساء؟ هل الزهد في الدنيا تعويض عن الهزيمة فيها، وترك إرادي لما حرم منه بغية الحصول على أعظم منها في النهاية؟ وإذا ما تكالبت السلطة على الدنيا فإن المعارضة تتركها لهم، وإذا ما قمعت بمثل القهر فيها فإن مجتمع الاضطهاد يقلبها عليهم تعبيرا عن القدرة على الصمود، والتحكم في الإرادة، وترفعا على الخصوم.
21
ويظهر جدل التحليل والتحريم في قوانين الطعام؛ فكل ما تحلله السلطة تحرمه المعارضة، وكل ما تحرمه السلطة تحلله المعارضة. والتمايز في قوانين الطعام إثبات للخصوصية وتمايز عن الجماعة كما هو الحال عند اليهود. ويتداخل المقدس مع الدنيوي، ويتحول الطعام إلى محرم أو مقدس إذا ما ارتبط بشخص الإمام الشهيد إمعانا في الإغلاق وتعذيب الذات والتشدد في محاسبة النفس إذا ما استحال تغيير الواقع، أو استعدادا لمرحلة قادمة. وبينما يحرم البعض الماء بفلاة من الأرض لو وقعت فيه قطرة خمر، يحلل البعض الآخر الخمر نبيذ التمر لأن علة السكر غائبة فيه، الضد يولد الضد، إما تحريم الخمر كله في الجرار، أو تحريم قطرة منه من مياه البحار! يؤدي التطرف إلى عدم السوية في العالم، والانتقال من طرف إلى طرف، والضدان يجتمعان، اليأس من العالم أو احتضانه، الابتعاد عنه رغبة في التطهر منه أو الاغتراف منه والاتحاد به.
22
الحلال والحرام إذن في النهاية موقف اجتماعي صرف، قانون لتثبيت النظام الاجتماعي أو زعزعته، مجرد وظيفة اجتماعية طبقا لغاية الجماعة. (2-4) إيقاف الحدود
بعد إباحة المحرمات تسقط الحدود بالتبعية؛ فالحد عقاب على معصية، والمعاصي نفسها لم يعد لها وجود، وإسقاط الحدود تعني التحرر من قيد السلطة وشرع مجتمع القهر كمقدمة للتحرر السياسي. يسقط حد شارب الخمر حتى ينسى أزمته ويتجاوز هزيمته، ويقاوم عقاب القهر بإسقاط قانونه وعدم تطبيقه بالرغم من الإتيان بالأفعال التي تقع تحت طائلة القانون، خاصة ولو كان القانون نفسه نقطة ضعف في فقه السلطة الذي لم تجتمع عليه المدارس الفقهية وما زال موضوع خلاف. والعجيب أن التشدد السياسي مع السلطة يؤدي إلى لين أخلاقي مع النفس، وكأن الكفر بالعالم يولد طبيعيا إيمانا بالذات.
23
كما يسقط حد الرجم رفضا لتقييد حرية الإنسان الجنسية مرتين، مرة بينه وبين نفسه، ومرة بينه وبين الإمام المغتصب المطبق للحد. والكبت السياسي يولد حرية جنسية؛ فالضغط من الخارج إلى الداخل يتحول إلى تحرر الداخل إلى الداخل. أما الإمام العادل فله الحق في تطبيق الحد؛ فهو القادر على التمييز بين الإيمان والكفر، وهو المدافع عن الشرعية والمنصب لها. يطبق الحد من السلطة الشرعية، ويوقف من السلطة اللاشرعية، حاكمية الله في مواجهة حاكمية البشر.
24
وقد يقام حد القذف على قاذف المحصنات من النساء، ولا يقام على قاذف الرجل المحصن؛ فالقذف الأول أشد وأقصى من الثاني، المرأة عورة أكثر من الرجل، وهو ما يميز رؤية المجتمع المغلق.
25
وعلى الضد من ذلك يقام حد السرقة في الكثير وفي القليل، في الحرز وفي غير الحرز، كوسيلة لإحكام الانضباط في المجتمع المغلق.
26
يقابل إذن مجتمع الاضطهاد السري مجتمع الغلبة بالتسيب الخلقي، وقد يقابل مجتمع الاضطهاد العلني مجتمع الغلبة بالانضباط الاجتماعي.