تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

والحقيقة أن إسقاط الشرائع ليس أثرا من الديانات الخارجية، مانوية أو غيرها، بل تعبير عن الكفر بكل الشرائع الأرضية التي وحدت بينها وبين الشرائع السماوية ظلما وعدوانا من أجل تقويض النظم القائمة، وإقامة شرعية أخرى تأخذ حقوق المضطهدين. (2-3) إباحة المحرمات

وإباحة المحرمات نتيجة طبيعية للكفر بالشرائع والقوانين وإسقاط التكاليف التي استعملتها السلطة اللاشرعية القائمة لتكبيل المعارضة وفرض الطاعة بالقوة. وإباحة المحرمات أكثر دلالة من تحريم الحلال؛ فالتحرر من القانون إحدى وسائل التحرر من المجتمع. وتتمثل إباحة المحرمات في ميدانين؛ الطعام والنكاح. ففي الطعام إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، وفي النكاح إباحة الزنا واللواط والمتعة الحرام. ويهدف ذلك كله إلى إطلاق قوى الطبيعة الحبيسة تحت القهر، وتقوية المجتمعات السرية والروابط المشتركة حيث يشيع كل شيء؛ النساء والأموال. والميسر أيضا مباح ضد قوانين السلطة نقضا لها، وإعلانا أمام النفس عن عدم الاعتراف بشرعيتها، ثم تأخذ النفس شرعيتها من ذاتها، وتصبح أفعالها مقياس شرعيتها فتبيح كل شيء؛ رد فعل على القهر. وإن التحرر في القهر الاجتماعي يبدأ من التحرر من القهر الفردي، وإن التحرر من القانون شرط للتحرر من السلطة. إن التحرر من الخارج لا يتم إلا بعد التحرر من الداخل، بل جهاد الأعداء لا يبدأ إلا بعد جهاد النفس، يليه جهاد الغاصبين. إن إنكار الذات يولد رد فعل عكسي وهو إثبات الذات، كما يولد التحريم الإباحة؛ وبالتالي يصبح الإنسان أولى بابنته الحسناء وأخته الهيفاء. وإذا ما استند التحريم إلى التخويف بالمجهول والإيمان باللامعقول، قامت الإباحة على التحرر من هذا الخوف من المجهول، وعلى عقل كل شيء مادي خارج العالم؛ فطالما استعمل الغيب للسيطرة على الناس؛ وبالتالي يكون إنكار الغيب مقدمة لتحريرهم. كما أن كراهية المجتمع الغاصب تؤدي إلى التحريم من الزواج منه؛ فلا يتم زواج إلا من داخل المجتمع المضطهد، زواج الأقرباء، داخل مجتمع الإيمان في مواجهة مجتمع الكفر. المؤمن لا ينكح إلا مؤمنة، والكافر لا ينكح إلا كافرة. ولما كانت الأثرة والأنانية من صفات الغير، فإن الشيوع يكون من ممارسات الأنا؛ وبالتالي تنشأ المجتمعات المغلقة التي يباح فيها الجنس ويصبح على المشاع، عنادا ضد مجتمع الكفر، والاستئثار عندما يستحوذ الرجل على امرأة يمتلكها لنفسه ويمنعها غيره. تريد الجماعات المضطهدة الغياب عن الواقع الأليم، وتعيش في عالم التمني والأحلام، فتسقط الحدود رمز القهر، والتي يقوم الإمام الغاصب بتطبيقها، وتدعو إلى السكر والشراب معارضة له، ورفضا لقانونه، كما تفعل جماعات الصوفية؛ فلا فرق بين الهجرة إلى الداخل والهجرة إلى الخارج، بين الفرار إلى الله والفرار من الله!

18

لذلك قد تباح المحرمات من جماعات الصوفية قدر إباحتها من جماعات الاضطهاد؛ فبقدر ما تعيش جماعة الاضطهاد تحت القهر الاجتماعي تعيش جماعة الصوفية تحت القهر النفسي، كلاهما جماعتا معارضة، عاجزتان عن المقاومة، وكلاهما يتحدان بالحق عن طريق تمثله وتجسده. تبدأ جماعة الصوفية بالزهد، بالرياضة والمجاهدة، حتى تصل إلى حالة الفناء حيث تسقط التكاليف وتباح المحرمات؛ فإذا ما شافه الروحانيون الله ورأوه، وعاشوا في الجنان قبل الأوان، وجامعوا الحور العين، على الأرائك متكئين، يسعى إليهم الولدان المخلدون بأصناف الطعام والشراب، فما وجه التحريم وكل شيء قد تمت إباحته، ولم يعد هناك ستار ولا حجاب بين الحبيب والحبيب؟ وعلاقة الخلة، علاقة الخليل بالخليلة، ليست علاقة قانون وتحريم، بل علاقة اتحاد وإباحة.

19

من هذا التصور للعالم ينبثق نظام، وتخرج من هذه العقيدة شريعة تقوم على إلغاء الفروق ما دام التصور يقوم على الوحدة؟ وحدة الإنسان والله، وحدة الروح والطبيعة، وحدة الحياة والموت، وتمحي الفروق أيضا بين الحلال والحرام، وتنتهي درجات الوجود. وقد تنشأ الإباحة من حب الدنيا والالتذاذ بنعيمها إحساسا بالطبيعة وإشباعا لرغباتها. هكذا نشأ آدم في البداية؛ فميراثه بين أولاده بالسوية، مساواة طبيعية، فلماذا تحريم كل ذلك باسم الشريعة ثم الاتهام بالإباحة بالزندقة؟

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٢٤