تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42 (3) بناء الموضوع

الموضوع هو خلق الأفعال. وهي التسمية القديمة التي تتسق مع نظرية الأفعال دفاعا عن إرادة الله المطلقة ضد إرادة الإنسان وحرية اختياره كوليد جديد يوأد في المهد (الأشاعرة). ولكن التسمية قد تعني أيضا خلق الأفعال من جانب الإنسان (المعتزلة) تأكيدا على حرية الإرادة. وقد استعمل المحدثون منا من مؤلفي الكتب المقررة تسمية الجبر والاختيار إما تحت أثر الغرب أو خضوعا للفكر الشائع. وهي تسمية تظهر الصراع بين وجهتي النظر واعتبار أن الكسب هو الحل الوسط بين الحلين المتعارضين ويجعلونه أقرب إلى الاختيار منه إلى الجبر لو كان المؤلف عاقلا أو إلى الجبر منه إلى الاختيار لو كان المؤلف تقليديا ناقلا.

والتعبير القديم «خلق الأفعال» تعبير محايد، لا يوحي بنقل القدماء ولا بتحديث المعاصرين، ولكن الخلاف في التفسير حول خلق من؟ يجعله البعض من جانب المؤله مثل كل شيء، ويجعله البعض الآخر من جانب الإنسان. وفي هذه الحالة يكون الإنسان صاحب أفعاله. أما تعبير «الجبر والاختيار» فهو مقابلة حديثة تضم لفظا قديما هو الجبر ولفظا حديثا هو الاختيار. ولكن الاختيار لا يعبر عن خلق الأفعال خاصة إذا تم بالطبع. كما أنه يوحي بفعل خارجي محض كأن الفعل يتم عن طريق مقارنة عقلية بين الدوافع وحسابات رياضية بينها ثم اختيار أحدها وكأن الحياة لا تختار بنفسها حسب الدافع الأقوى. ولما كانت «الحرية» لفظا معاصرا يعبر عن وجدان الأمة كما يعبر عن مضمون المشكلة القديمة، خلق الأفعال، أصبح الإنسان خالقا للأفعال يعني أن الإنسان حر. لم يصبح الموضوع «مشكلة الحرية» لأن الحرية ليست مشكلة بل هي أمر واقع وتجربة يشهد بها الوجدان وصريح العقل؛ حينئذ يصبح موضوع خلق الأفعال إثباتا للإنسان الحر. وعنوان خلق الأفعال مثير للذهن مثل حرية الأفعال. فالخلق يوحي بالإبداع والجدة والمسئولية، مثل الحرية تماما، بل إنه أكثر ميتافيزيقية نظرا لارتباط الحرية بأبعادها السياسية والاجتماعية. وهو لفظ أكثر أصالة مرتبط بالتراث وليس شائعا في ثقافتنا المعاصرة الناقلة عن الغرب. واستعمال لفظ الخلق بمعنى الحرية استرداد للمفهوم من الله إلى الإنسان واستعادة للحقوق الضائعة. كان يمكن إطلاق تعبير «الإنسان الفاعل» بعد «الإنسان الكامل» وقبل «الإنسان العاقل» إبقاء على وحدة التعبير وتجانسه، خاصة وأن الفعل لفظ قديم. ولكن خوفا من إمكان اللبس بين «الإنسان الفاعل» الذي يمارس حريته بطبعه «والإنسان العامل» الذي يحقق النظر في العمل وهو أحد موضوعات السمعيات،

43

بقي «خلق الأفعال» أنسب التسميات لأنه بالرغم من قدمه إلا أنه ليس به عيوب القديم.

44

أما «الإنسان الحر» فهو تعبير خطابي خارج عن منطق البرهان.

ويمكن تحديد بناء الموضوع تاريخيا أو نظريا أو وصفيا. فمن الناحية التاريخية بدأت النظريات حول الأفعال أولا بالجبر ثم حدث رد الفعل ثانيا بإثبات الاختيار وأن الإنسان خالق أفعاله. وأخيرا جاءت نظرية الكسب كمحاولة للتوفيق بين الجبر والاختيار.

45

هذا هو الجدل التاريخي السائد في معظم موضوعات علم الكلام من الفعل إلى رد الفعل ثم إلى المركب من الفعل ورد الفعل. حدث هذا في التوحيد، في التشبيه ثم التنزيه ثم إثبات الصفات بلا كيف. ولكن من الناحية النظرية الخالصة بدءا من النظريات غير المؤسسة إلى النظرية المؤسسة يبدأ الجبر باعتباره أقل النظريات الثلاث تأسيسا ثم يتلوه الكسب باعتباره أيضا أقل النظريات الثلاث تأسيسا، ثم يأتي في النهاية خلق الأفعال باعتباره أكثر النظريات تأسيسا. ويرتب القدماء المذاهب طبقا لرأيهم الخاص ابتداء من الكسب ثم الجبر ثم خلق الأفعال بما يدل على أن الجبر أقرب إلى الكسب وأن خلق الأفعال أبعد منه.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٥