إثبات ذات مشخص مؤله قادر قدرة مطلقة وعالم علما شاملا يبطل كونه حكيما صادقا. وتصبح أوصافه سفيها ظالما كاذبا لأنه يفعل الظلم ويجبر الإنسان على أفعاله ويحاسبه، يسلبه حريته ويكلفه.
50
وهو في الحقيقة تشخيص عواطف التأليه ثم تصور وجود شخص مؤله له قدرة شاملة وعلم محيط يتدخل في حوادث الكون ويتحكم في مصائر البشر ويوجه أفعال الإنسان كحق مطلق وكواقع مثبت. يستطيع أن يفعل أي شيء أراده الإنسان أم لم يرده، يستطيع أن يمنع أي شيء من الوقوع أراد الإنسان حدوثه أم لم يرده، يستطيع أن يعدم الإنسان ذاته بعد وجوده وأن يوجده بعد عدمه. لا يبقى أمام سلطاته قانون ثابت، ولا عالم قائم. كل شيء يخضع لإرادته ومشيئته. يستطيع أن يجعل الثلج نارا، والنار ثلجا، أو أن يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا، وأن يطلق الأشياء في الهواء دون أن تقع، وأن يوقف السهم في الجو دون أن يصيب، وأن يعاقب المحسن ويثيب المسيء، لا راد لحكمه ولا رافع لقضائه. ما دامت هذه هي البداية فيستحيل إثبات فعل الإنسان الحر وإرادته المستقلة لأن البداية بداية نظرية وليست أمرا واقعا. وهي مقدمة تشمل الموقف والنتيجة معا ولا يمكن بعدها إثبات شيء لأنها تتعلق بالشرعية الأولية والحق النظري الأول. هي بداية تحتوي على حل مسبق هو إلغاء وجود الإنسان المستقل وفعله الحر. وبالتالي فالجبر ليس وصفا للفعل الإنساني بقدر ما هو قرار مسبق مبني على شرعية أولية هي في الوقت نفسه أساس كوني. وقد فرق الفقهاء من قبل بين إرادة التكوين وإرادة التشريع، الأولى كونية لا مرد لها، والثانية تشريعية تعطي الأمر ولا توجبه، وتفسح المجال أمام الإنسان للفعل الحر والإرادة المستقلة.
حينئذ يكون السؤال: ماذا يبقى من الإنسان لو عدم وجوده؟ ماذا يبقى منه لو قضى على فعله؟ ماذا يبقى منه لو سلبت حريته؟ ولحساب من؟ ولما كنا نعلم من التوحيد أن عواطف التأليه هي في أساسها عواطف تنشأ في ظروف اجتماعية معينة؛ إذ ينشأ التأليه والتجسيم في مجتمع مضطهد على درجات مختلفة من الاضطهاد، كما ينشأ التنزيه والتشبيه في مجتمع منتصر بصورتين مختلفتين: الأولى تثبت البؤرة المركزية المتعالية، والثانية تثبت سيطرتها على الواقع بالفعل، كذلك فإن إثبات الجبر يؤدي إلى إثبات السلطة في المجتمع المنتصر وإقامتها على الشرعية الأولى. ومع ذلك، وكما يحدث في المجتمعات المضطهدة، يتحول الجبر الإلهي الكوني إلى جبر ذاتي باطني، أي حتمية تحقيق الإنسان لرسالته في الحياة، وضرورة تحقيق عالم الفضيلة كتعبير عن كمال الطبيعة، ويتحول إلى عملية تحرر للإنسان وللكون معا. (2)
يتم تصور التأليه على أنه بقدر ما يعطي المشخص المؤله من قدرة مطلقة يسلب من الإنسان قدرته، وبقدر ما يكون المشخص المؤله حرا تلغى من الإنسان حريته؛ فالعلاقة بين المؤله المشخص وبين الإنسان علاقة عكسية وليست طردية. بقدر ما يعطى الأول يؤخذ من الثاني، وبقدر ما يؤخذ من الأول يعطى الثاني. وهي علاقة تضارب وصراع تكشف عن مزاحمة بين الله والإنسان، وكأن العالم لا يكون فيه إلا بطل واحد. وهذا تصور خاطئ لأنه لا يوجد مؤله مشخص في الواقع واقف للإنسان بالمرصاد. كلما أراد الإنسان أن يكون حرا سلبت منه حريته. ولا يأتي الإنسان بفعل حر إلا في غفلة عن المؤله أو بمرجح زائد منه.
51
والحقيقة أن العلاقة بين عواطف التأليه باعتبارها أثمن ما لدى الإنسان، والفعل وهو واقع الإنسان؛ علاقة طردية؛ إذ تتحول هذه العواطف إلى أصلها كبواعث على الفعل من داخل الشعور وليست إسقاطات على الطبيعة خارج الشعور وخارج الفعل وضده. ليس للكمال وجود خارجي بل هو باعث إنساني نحو الكمال. ليست الإرادة الشاملة صفة لذات مشخص، بل هي إرادة إنسانية تبغي أوسع نطاق لها وأكبر تأثير. ليس العلم أيضا صفة مطلقة لذات مشخص، بل هو دافع إنساني نحو العلم يعطي الأساس النظري للفعل. ويكون السؤال: لمصلحة من تصور هذه العلاقة العكسية بين الإنسان وقيمه؟ وكيف تثبت القيمة بذاتها إذا سلبت إرادة الإنسان؟ وفي أية قيمة تعمل إرادة الإنسان لو أصبحت القيمة خاوية غير قابلة للتحقيق؟ ولماذا لا تكون العلاقة طردية، بقدر إثبات حرية الإنسان تثبت فاعلية القيمة، وبقدر ما تضمحل فاعلية القيمة تضمر حرية الإنسان؟ في الجبر الذاتي وحده تكون العلاقة طردية. كلما أحس الإنسان بدعوته، وهي القيمة، ازدادت حريته، وكلما ضعف إحساس الإنسان بدعوته قلت حريته وطواه الجبر. (3)