تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعني خلق الأفعال خلق الشيء، بل تأدية الشيء والإتيان بفعل. لا يعني خلق الأفعال خلق ميدان الفعل، بل تحقيق الفعل فيه. لا يعني الخلق المادي للشيء بل الخلق المعنوي للفعل الذي هو مجرد تحقيقه في موقف. فالشاعر خالق للقصيدة وليس خالقا للورق أو الصوت أو الحروف أو الكلمات، والمحرر خالق للتحرر وليس خالقا للوطن المحرر. يمكن إذن الإتيان بالفعل الحر في عالم غير مخلوق فيه. إن الفعل لا يخلق من العدم الوجود، بل هو فعل يحدث في الوجود ويهدف إلى تغيير بناء الواقع. هو فعل تغيير شيء موجود من وضع إلى وضع وليس فعل خلق من عدم.

47

لقد أصبح موضوع الحرية، ابتداء من القرن السادس بعد ظهور الفلسفة وكأنها الخطر الداخلي على التوحيد بعد درء الأخطار الخارجية، أخطار التأليه والتجسيم والتشبيه؛ أصبح موضوعا للإلهيات والطبيعيات وليس موضوعا للإنسانيات، أي حرية الاختيار كأساس للتكليف. وأصبحت مسألة الحرية في الخلق والإيجاد موضوعا طبيعيا وليس موضوعا إنسانيا. ولكن ظل الله في كلتا الحالتين هو الطرف المقابل لفعل الإنسان الخارجي في العالم وفي الطبيعة. فإذا كانت الإرادة هي التي تهدد حرية أفعال الشعور الداخلية، فإن القدرة هي التي تهدد حرية أفعال الشعور الخارجية. الإرادة في صلة مع أفعال القلوب والقدرة في صلة مع أفعال الجوارح. الإرادة في علاقة الله بالإنسان، والقدرة في علاقة الإنسان مع الطبيعة. القدرة القديمة وحدها هي القادرة على إحداث الأجسام؛ فالحادث لا يصدر من حادث؛ لذلك ارتبط الموضوع بحدوث العالم. والتفرقة بين الحركة الإرادية والحركة اللاإرادية لا تثبت القدرة القديمة بدليل الحركة اللاإرادية دون الحادثة بدليل الحركة الإرادية؛ مما يدل على أن كل مذهب يأخذ من التجربة ما يتفق معه ومع مسلماته وأحكامه المسبقة.

48 (8)

وحدوث الترجيح بين البواعث لا يعني تدخل إرادة خارجية أحدثت هذا الترجيح، خاصة لو كان المرجح يحتاج إلى مرجح، وهذا إلى ثالث. وما دام لا يمكن التسلسل إلى ما لا نهاية، فيجب الانتهاء عند المؤله المشخص. فبالإضافة إلى أن هذا تفكير دائري، أي أنه مجرد عاطفة أو انفعال سابق على التفكير، يظهر التفكير فيه على أنه مجرد حركة للرجوع إلى الوراء. والتفكير العلمي في مساره تفكير إلى الأمام وإلى الكشف عن المجهول. وإن احتياج الفعل إلى مرجح كي يحدث لا يعني حدوث هذا المرجح من الخارج، بل يتم بمقارنة البواعث أيهما أقوى ثم اتباع الباعث الأقوى أو بمقارنة غاية كل فعل مع غاية الآخر ومعرفة أيهما أكثر قيمة وثباتا أو بالرجوع إلى المصلحة العامة التي ينتهي إليها التسلسل، وهذا كله لا يحدث بطريقة صورية. لا يحدث بأن يجد الإنسان نفسه محايدا بين فعلين منتظرا لمرجح يوجهه نحو الأول أو نحو الثاني، بل يتبع الإنسان طبيعته وتكوينه ودعوته وغايته. الاختيار بين فعلين في الحقيقة ليس اختيارا حسابيا، بل هو اختيار قائم على الباعث الأقوى في الحياة.

49 (1-4) نقد الجبر

الحقيقة أنه يصعب التفرقة بين الأسس والنتائج والمخاطر والأخطاء للجبر، سواء في أفعال الشعور الداخلية أو في أفعال الشعور الخارجية؛ فهي كلها متداخلة فيما بينها؛ فالأسس هي الحجج، والنتائج هي المخاطر، والأخطاء هي تفنيد الحجج. لذلك وضع الكل تحت موضوع واحد وهو «نقد» الجبر.

والأسس العقلية التي يقوم عليها الجبر أسس ضعيفة بدليل تفنيد أصحاب الكسب لها مع أن الكسب والجبر يعتمدان على الأسس العقلية نفسها، ومنها تشخيص عواطف التأليه وإثبات قدرة خارجية تتدخل في فعل الإنسان وإنكار استقلال الإنسان في فعله. وكذلك بدليل تفنيد أنصار خلق الأفعال له وهو تفنيد موجه أيضا لنظرية الكسب لاشتراكها في الأسس العقلية نفسها التي يقوم عليها الجبر. مع أنه في عقيدة القضاء والقدر يضيع الكسب ولا يمكن القول بهما معا؛ فهما بمثابة الإخوة الأعداء. ويمكن نقد هذه الأسس على النحو التالي: (1)

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٢٩