25
وقد يكون نفي الآلام رد فعل طبيعي لإثبات العدل. فالأطفال لا تتألم لأن الألم عقاب، وعقاب الأطفال ظلم ما داموا ليسوا مكلفين. التكليف مشروط بالعقل والبلوغ، والأطفال والمجانين دون ذلك، بل قد تتحول آلام الأطفال إلى لذات من فرط العدل.
26
والحقيقة أنه لا يجوز إيلام الأطفال؛ فهم تحت سن البلوغ، والبلوغ شرط التكليف. فكيف يحاسب الطفل وهو لم يصل بعد إلى مرحلة البلوغ؟ كيف يكون مسئولا عن نفسه وعن غيره وهو ما زال دون حرية الاختيار؟ إن الآلام لا تكون إلا عن استحقاق، والأطفال لا يستحقون الآلام لأنها نتيجة الأفعال الحرة العاقلة، وأفعال الأطفال ليست كذلك. ولا فرق في ذلك بين أطفال المؤمنين وأطفال الكافرين. وأين تكافؤ الفرص والمساواة في العدل بين طفل المؤمن وطفل الكافر حين يثاب الأول بطاعة آبائه ويعاقب الثاني بعصيان آبائه؟ أليس ذلك ضد المسئولية الفردية والتكليف الفردي؟ وماذا لو قال طفل الكافر كما هو الحال في قصة الإخوة الثلاثة لو كنت عشت لكنت قد آمنت. وما الضامن إذا ما عاش طفل المؤمن ألا يكفر؟
27
لا يؤخذ الطفل إذن بجريرة أبيه:
وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت (81: 8-9). وكيف يمكن إيلام الأطفال موعظة لآبائهم؟ ولماذا يتألم الأطفال ويتعظ الآباء؟ وهل موعظة الآباء لا بد أن تكون على حساب أطفالهم؟ وهل يتعظ الآباء بعذاب أطفالهم أم يتألمون لآلامهم، ويكفرون إذا كانت آلامهم بغير جريرة أو ذنب؟
28
وكيف تكون آلام الأطفال عبرة للبالغين؟ هم يتألمون وغيرهم يعتبرون! وهل يكون الطفل عبرة للبالغ ولا يكون البالغ عبرة للبالغ؟ وكيف يتوب الأطفال وكيف يتألمون ليثاب الآباء؟ وكيف يوضع الأطفال في النار وكأن الله يفرح بآلامهم؟ ويتحول المطلق إلى صادي كبير ينعم بعذاب الآخرين، أو إلى متسلط قاهر يفعل بلا قانون باسم السلطة المطلقة، تفعل الشرور في العالم، ونجد في ذلك حكمة بالغة!
29
مع أن صورة الأطفال في الآداب الشعبية نموذج البراءة والصدق والطهارة والخير الفطري. وتلك أيضا صورتهم في النقل أنهم مع الأنبياء في الجنة. وقد كان الأنبياء يحبون الأطفال، يلعبون معهم، ويرون فيهم الإيمان الطبيعي. بل إن علاقة الله بالإنسان تصور دائما على أنها علاقة الأم بطفلها، علاقة حنان وعطف ورعاية وحب. وطالما افتدى الآباء أطفالهم منعا لهم من الإيلام والإيذاء. فالأطفال كلهم في الجنة، لا فرق بين أطفال المؤمنين وأطفال المشركين.
30
وإذا ما تألم الأطفال يجب لهم العوض. ولكن مهما كان من عوض، هل يجازي العوض عن الآلام؟ وأيهما أفضل: آلام بعوض أو لا آلام على الإطلاق؟
31
وكيف تكون روح الأطفال عقابا لأرواح الكبار إذا ما تناسخت الأرواح؟ إنه لنعيم أن تتحول روح الظالم إلى روح طفل، فلربما أدرك براءة الأطفال.
32 (4) هل يجوز إيلام البهائم؟
ولما كان الإيلام واقعا على كل كائن حي لنفور الطبع منه، فإن الإيلام يمتد من الإنسان بالغا كان أم طفلا إلى الحيوان. وكما صعب تحديد إيلام الأطفال دون إسقاط إنساني، فالأصعب تحديد إيلام الحيوان دون إسقاط إنساني كذلك. والمواقف واحدة. فكما يجوز إيلام الأطفال بلا استحقاق أو عوض لأن الله مالك كل شيء ولا يجب عليه شيء، فالأولى جواز إيلام الحيوان بلا استحقاق أو عوض لنفس السبب.
33
ولا توجد أعواض ابتداء عن كون الحيوان حيوانا وعدم كونه إنسانا؛ لأن الأعواض نتيجة للآلام وليست سابقة عليها. وإن اعتراض الحيوان على وضعه كحيوان وتفضيل وضع الإنسان يفترض وعيا وعقلا وحرية، وهو ما لا يتوافر في الحيوان. ولما كان الإسقاط الإنساني هو أساس الإدراك، فيستحيل إيلام الحيوان بلا استحقاق أو عوض بصرف النظر عن كمال العقل وشرط التكليف.
34
وهي نظرة إنسانية عادلة تسقط على الحيوان وتفيد الرفق بالحيوان، وهو توجه شرعي. وقد يبلغ تقديس الحياة والرسالة والعدل إلى درجة اعتبار كل شيء حي حتى الجماد وكأنه مكلف يستحق الثواب والعقاب.