17
وقد يقع العوض من الإنسان إلى الإنسان في الحال أو في المآل، فتجب عليه الكفارة والدية. وذلك يدل على أن مفهوم العوض فقهي خالص، أي إنساني صرف، يفرض نفسه على العقيدة وكأن أصول الفقه هو أساس أصول الدين، وكأن الشريعة تفرض نفسها على العقيدة، وكأن العمل يفرض نفسه على النظر.
18
يكون العوض إذن جزاء عن ألم سببه الله للإنسان أو يكون العوض جزاء ألم سببه الإنسان للإنسان، وذلك بأخذ حسنات منه، فإن لم تكن له حسنات فترفع منه السيئات بما يوازي الحسنات. وقد يثير هذا العوض عدة إشكالات، منها: هل يكون العوض في الدنيا أم في «الآخرة»؟ وتسهل الإجابة عليه بأن العوض يكون في الدنيا لأن الآخرة لم تثبت بعد لأنها من السمعيات، وما زلنا في العقليات في أصلي التوحيد والعدل. ولكن استباقا يمكن في «الآخرة» قياسا للغائب على الشاهد. ومنها أيضا أن العوض لا يحبط بالذنوب كالثواب لأنه عوض عن آلام إلا في الحساب الكلي بناء على رغبة الإنسان في التنازل عنه في «الآخرة». ومنها أن العوض لاحق للآلام وليس سابقا عليها؛ فلا يعطى ابتداء. لا يؤلم الإنسان ليعوض بل يحدث الألم لا عن قصد كنتيجة طبيعية للفعل القصدي.
19
وقد يتفضل حساب العوض كما طبقا للزمان، أي مدة الألم وشدته ونوعه. فالعوض المنقطع هو العوض المرئي المباشر نتيجة للجهد، في مقابل العوض الدائم الذي ينتج عن مصير حياة بأسرها. ويدل على ذلك النظر إلى العوض في الشاهد.
20
وقد يكون العوض على أبعاض الأجسام مثل اليد والرجل بين المؤمن والكافر.
21
وقد يصبح العوض ماديا صرفا وليس معنويا فحسب، في الأشياء وليس في الأفعال، ويتحول الأمر كله إلى فقه، ويتحول العوض إلى تعويض، وله مدة إما انتظارا أو فوريا وكأنه تعويض قانوني عن أضرار في حادثة طريق.
22
وهو تصور قانوني للعدل، حسابي كمي لا مكان فيه للأعذار أو العفو، مجرد علاقة بين طرفين، ما يجب عليه التعويض وما يجب له التعويض، علاقة بين المكلف والمكلف وكيفية إيصال العوض ومقداره.
23
صحيح أن العوض يعني انتصار الخير في النهاية، وتطابق نتائج الأفعال مع مقدماتها، وأنه لا مكان للظلم في العالم، وأن البريء المظلوم ينال براءته، والظالم المذنب ينال عقوبته. إنما المهم أن يأتي التعويض من داخل الفعل وبنيته وتكوينه في الفرد وفي الجماعة وفي التاريخ وليس من خارجه تشخيصا له واعتمادا على قدرة مشخصة أكبر خارج التاريخ. والمهم أيضا ألا ينتهي العوض كما هو الحال في الصلاح والأصلح واللطف والألطاف إلى قبول الآلام وتبرير الشر على أمل العوض في الحال أو في المآل ويطول الانتظار، وعمر الإنسان في النهاية أقصر بكثير من عمر التاريخ، فيموت حسرة مع إيمان قوي بعدالة السماء التي لم تتحقق بعد في حياته على الأرض. (3) هل يمكن إيلام الأطفال؟
ليس الموضوع هو إثبات قدرة الله، فالله قادر على كل شيء، ولكن الموضوع هو العدل، أي مصالح العباد ضد الظلم والجور والفساد. فقد انبثق العدل من التوحيد وخرج الإنسان المتعين من الإنسان الكامل. وحتى لو كان الأمر يتعلق بقدرة الله، فهل تثبت ابتداء من إيلام الأطفال وهم لا يقدرون على شيء؟ وهل يتساوى الطرفان: الله والطفل؟
24
وإثبات آلام الأطفال موضوع لعلوم الجسم أو علم النفس أو التربية وليس موضوعا لاهوتيا تأمليا إذا كان المقصود إثبات الآلام على المستوى الطبيعي النفسي الجسمي. وحتى في هذا المستوى، لا يخلو الأمر من إسقاط الإنسان وإحساسه بالألم على الأطفال. فالإسقاط قائم سواء على المستوى اللاهوتي أو على المستوى الطبيعي، وكأن الآلام لا يمكن أن تدرك إلا على المستوى الإنساني. بل ويتدخل المستوى اللاهوتي في المستوى الطبيعي حتى لا تكون الآلام بفعل الخلقة والطبع وتقوم على الأسباب والمسببات.