تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

وكل فعل حسن أو قبيح ينقسم إلى قسمين: فعل يحسن لأمر يخصه مثل الإحسان وفعل يحسن لكونه لطفا أو مؤديا إلى فعل حسن مثل ذبح البهائم. والقبيح أيضا على ضربين: أحدهما يقبح لأمر يخصه لا لتعلقه بالغير مثل كون الظلم ظلما والكذب كذبا، وإرادة القبح والجهل وتكليف ما لا يطاق وكفر النعمة ، والثاني لتعلقه بما يؤدي إليه مثل القبائح الشرعية التي تؤدي إلى قبح عقلي أو الكف عن الواجبات. فكذلك الواجب باعتباره فعلا حسنا ينقسم إلى قسمين: واجب لأمر يخصه مثل شكر المنعم والإنصاف والتفرقة بين المحسن والمسيء، وواجب لأمر يتعلق به مثل الواجبات الشرعية وكونها مصلحة ولطفا.

15

فاللطف هو الذي يمنع أن يكون الفعل مصلحة للفرد ومفسدة لغيره، وكأن اللطف هو تبرير للشر ودعوة لقبوله ما دام الصلاح للفرد والفساد للغير، قسمة غير عادلة في أصل العدل! يأخذ الإنسان النصيب الأوفى ويطلب من الآخر الصبر والسلوان.

وقد تكون القسمة ثلاثية، وبالتالي تنقسم الواجبات العقلية إلى ثلاثة أضرب: ما يجب لصفة تخصه مثل رد الوديعة وشكر النعمة، وما يجب لكونه لطفا في غيره كالنظر في معرفة الله والشرعيات، وما يجب من حيث كونه تركا كالقبيح وتحرزا من فعله، وهو الواجب عن طريق نفي الضد، فالترك فعل كالفعل. وكذلك تنقسم القبائح إلى ثلاثة أضرب: ما يقبح لصفة تخصه مثل كونه ظلما وكذبا وعبثا، وما يقبح لكونه مفسدة في غيره، وما يقبح لأنه ترك لواجب معين وناف لوجوده، فالترك أيضا فعل.

16

ولماذا لا ينقسم الترك أيضا في كلتا الحالتين إلى ترك لأمر يخصه وإلى ترك لأمر يخص الغير؟ إن ما يهم في هذه القسمة هو التفرقة بين فعل الذات للذات، وفعل الذات للغير. فالحسن والقبح ليست فقط أفعالا فردية، بل هي أيضا أفعال اجتماعية. (3-2) تعريف الأحكام الخمسة

الأحكام الخمسة يمكن إدراكها بالعقل. فبالرغم من أن الواجب والمحظور من وضع الشرع، إلا أن العقل يمكن إدراكهما كطرفين متقابلين بين الإيجاب والسلب، بل إن الأحكام المتوسطة اختيارا مثل المندوب والمكروه يمكن أيضا معرفتها بالعقل كذلك دون أن تكون محظورة كلها أو مباحة كلها، ودون أن تكون كلها على الإباحة أصلا كالمباح. هناك فرق بين الوجوب والاستحالة والإمكان. فالوجوب والاستحالة هما الواجب والمحرم، والإمكان من طرف الوجوب هو المندوب، والإمكان من طرف الاستحالة هو المكروه. والمباح هو الفعل الطبيعي القائم على التوحيد بين شرعية الأشياء ووجودها دون حاجة إلى حكم قيمة من خارج طبائع الأشياء.

17

والأحكام الشرعية الخمسة نموذج للأفعال الإرادية القصدية بصرف النظر عن تعريفاتها المتعلقة باستحقاق الثواب والعقاب عند الفعل أو الترك في حالة الأمر أو النهي أو حتى في فعل المباح على ما هو معروف في علم أصول الفقه. فالحسن والقبح مقولتان للأفعال، سواء كأفعال اختيارية أو كأفعال عاقلة. أما ما يترتب عليها من وعد ووعيد فمكانها أمور المعاد، وهو موضوع لاحق في علم أصول الدين يدخل في السمعيات ولا يدخل في العقليات.

18

ولا تهم صيغة الأفعال هل هي الأمر أم لا، فتلك بحوث لغوية تفيد في كيفية استنباط الأحكام من النصوص وليس في ممارسة الأفعال وإدراكها. ولا يهم أيضا ما يعلم منها باضطرار أو باكتساب، بل المهم كيفية إدراكها عقلا. ولا يهم هل المباح داخل في التكليف مثل باقي الأفعال الإرادية والقصدية، إذ إنه فعل إرادي قصدي ولكنه طبيعي فطري بلا أمر أو نهي وجوبا أو إمكانا.

19

والواجب عند القدماء ما يستحق المدح على فعله والذم على تركه. ويوصف بأنه فرض. ولا يختلف حده من جهة العقل أو السمع لأنهما طريقان للعلم به وليس اختلافا في حده. والعلم بالواجب كما أنه علم بأن تركه قبيح لأن الواجب هو ما يكون تركه مفسدة على الأقل عقلا إن لم يكن أحيانا شرعا. ويشترط أن يكون القادر على الترك والمتروك واحدا وأن يكون بينهما تضاد وأن يحلا محل القدرة وأن يكون الفعلان مباشرين غير متولدين.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١١٢