20
كما يعتمد الإيهام بالجبر على شبهة لا تثبت الجبر بقدر ما تثبت حرية الإنسان وتعبيره عنها بأعمال العقل وقدرته على الفرض. وهي شبهة مستمدة من قصص وليس من حكم، وهي قصة إبليس في صراعه مع الله. فالعلم السابق بوقوع الحوادث لا يمنع من اختراق الحرية الإنسانية لهذا العلم وإيقاع الحوادث على نحو غيره إثباتا لحرية العقل، وإعلانا على أن العلم الإلهي المسبق ليس جبرا للأفعال أثناء تحققها، وعلى الفرق بين الحق النظري والأداء العملي. كما تشير القصة إلى أن الإنسان سيد الكون، وله تخضع كل المخلوقات لأنه هو الفاعل الحر، وغيره من الكائنات الطبيعية أو الإلهية لا حرية لها، بل يمتثل ويطيع دون اختيار آخر أو بديل، لا فرق في ذلك بين الأرض والسماء وكل الموجودات الطبيعية وبين الملائكة والجن والشياطين. كما تدل القصة على أن لكل فعل حكما، وأن كل حكم يتضمن جزاء، وأن إنكار سيادة إنسان على الكون حكم يتطلب جزاء. وتشير أخيرا إلى أن الإنسان بين عالمين، الإقدام والإحجام، التقدم والنكوص، الرفعة والذل، والحرية هي التي توجه الإنسان إلى هذين العالمين. الإنسان هو المتحدي، وحريته تظهر في المقاومة، مقاومة الإغراء، والنظر إلى ما هو أبعد، والتضحية، وعدم الاستسلام. القدرة واحدة، والإرادة واحدة سواء على الكفر أو على الإيمان. والمحك هو الاختيار القائم على العقل والرؤية والقصد.
21
وتكون الحرية داخلية صرفة، غير مرئية، حرية الإيمان وعدم الإيمان. وهذا لا يتأتى إلا من الوعي الخالص المستقل عن شوائبه المادية عن مصلحة، وغاية قصيرة، وصغائر. أفعال الشعور الداخلية إذن أفعال حرة بقدر ما هي مرتبطة بغايات الإنسان وأهدافه واتجاهاته. للإنسان السيطرة عليها بالعلم والإرادة والقدرة والحياة. قد لا تبدو فيها حرية الأفعال ظاهرة ولكنها أفعال حرة بتحليل التجارب الشعورية واستبطان أفعال الشعور. ولماذا يثبت قياس الغائب على الشاهد في الصفات وينفى في الأفعال؟ وإذا كان هذا المقياس أساس الفكر الديني كله بصرف النظر عن موضوعاته، التوحيد أم العدل، فلماذا يستعمل في التوحيد دون العدل؟ لماذا لا يكون الشاهد هو إثبات خلق الأفعال وبالتالي قياس الغائب عليها قلبا؟ ألا تثبت التجربة أن الإنسان صاحب أفعاله؟ ولماذا ابتسار التجربة الإنسانية وأخذ ما اتفق منها مع الموقف الديني السياسي المسبق الذي يعطي الأولوية للفعل الخارجي، لله أم للسلطان على الفعل الإنساني؟ إن التجارب المضادة لحرية الإنسان وخلقه لأفعاله لا تثبت الجبر، بل تبين إمكانات القدرة البشرية وحدودها وموانعها وعقباتها من أجل إظهارها وشحذها وإعادة النظر في طرق ممارستها، فهي معها لا ضدها، وجزء منها لا خارجا عنها.
22 (1-4) خطورة الجبر
إن الإيهام بالجبر لو نجح أن يتحول إلى عقيدة ليؤدي لا محالة إلى ضياع حرية الأفعال ، وبالتالي القضاء كلية على الإنسان وعلى أحد مظاهر وجوده. كما يؤدي إلى تدمير العالم كلية وهدم قوانينه الثابتة. وكيف يعيش الإنسان بلا إرادة وفي عالم لا يحكمه قانون، وكل شيء فيه خاضع لإرادة مطلقة ومشخصة لا يقوى أمامها شيء سواء قانون الاستحقاق أو قانون الطبيعة؟ كما يجعل الجبر الله مسئولا عن الشرور في العالم، وهو تناقض مع طبيعة الله الخيرة؛ إذ إنه يضيف القبائح إلى الله ويجعله مثل الشيطان مصدرا للشرور، وبالتالي يحال موضوع خلق الأفعال إلى موضوع تنزيه الله عن القبائح أي إلى الحسن والقبح العقليين وما يتعلق بهما من صلاح وأصلح وغائية وقصد. والأخطر من ذلك كله هو تحول الجبر الميتافيزيقي العام إلى عقيدة القضاء والقدرة الخاصة وأثرها في سلوك الأفراد والجماعات، وجعل الناس راضين بهما ومنعهم من القدرة على الحركة والتغير والثورة. ثم ترسخ العقيدة في وجدان الأمة وبالتالي تستمر مرحلة التخلف بكل مظاهره من طغيان داخلي وقهر خارجي وتبعية وانحياز وضياع لاستقلال الأمة وحريتها. ثم توجد أنظمة تسلطية تقوم بالدور نفسه وتتحد مصالحها مع السلطة الدينية فيصبح الجبر الدعامة النظرية للنظم القائمة وتستأصل المعارضة التي تروج لخلق الإنسان لأفعاله باعتبارها ضد الإرادة الإلهية وهي في الحقيقة ضد إرادة السلطان. وما أسهل أن يدافع الإنسان عن الله وحقه المطلق الثابت، ولكن ما أصعب الدفاع عن الإنسان وحقه المهضوم الضائع وعن حقوق الشعوب! ما أسهل الدفاع عن حرية أفعال الله التي لا نزاع فيها! وما أصعب الدفاع عن حرية أفعال الإنسان التي تنكرها كل النظم السياسية ويسقط دفاعا عنها المناضلون والشهداء! جبر الأفعال مزايدة على الله تكشف عن مناقصة في الإنسان. تأخذ بالطريق السهل وتترك الطريق الصعب، تدخل في معركة مكسوبة سلفا اعتمادا على سلطة الدولة وتترك المعركة القائمة بالفعل اعتمادا على حق الشعوب وعلى قوى المعارضة. إن إثبات قدرة الذات المشخصة وإثبات عظمتها بالنسبة لقدرة الإنسان هو إثبات الفيل للنملة أنه قادر على ما هي قادرة عليه. وذلك يقوم على الإيحاء بأن الفيل ليس فيلا بل مجرد وهم والنملة قادرة على الفعل ولا يمنعها الفيل من شيء. والحقيقة أن كل شيء لا يقاس بشيء آخر نسبة بل يقاس في ذاته. فالنملة في عالمها قادرة على السعي والدفاع وجلب الرزق والعمل المشترك. إن النملة قادرة كما تقص الحكايات الشعبية على قهر الفيل؛ فالقدرة الجسمية أحط أنواع القدرة إذا ما قيست بقدرات العقل والحيلة والذكاء. وقد تمكث النملة في أذن الفيل حتى يهج ويقع. وبالتالي ينتهي الجبر إلى عكس ما كان يرمي إليه وهو الدفاع عن التوحيد. فلا هو دافع عن التوحيد نظرا لإثباته أن الفيل أقدر على النملة، ولا هو حافظ على العدل أي على قدرة النملة على العيش والكسب والجد والجهد والدفاع.