تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ينشأ الإيهام بالجبر من تصور الله ملكا والإنسان مملوكا، ومن الطبيعي أن يكون من حق الملك التصرف في مماليكه! وهذا تصور مهين لله وللإنسان على السواء؛ فالله ليس ملكا فقط، بل هو عادل حكيم، ومن سمات الملك العدل والحكمة. وهما يقتضيان أن يكون الإنسان خالقا لأفعاله حتى تصح المسئولية ويقع الاستحقاق، الثواب والعقاب. وهل المتكلم مدافع عن حق المالك أم عن حق المملوك؟ هل هو مدافع عن حق الحاكم أم عن حق المحكوم؟ لذلك سهل على المتكلم في الدنيا أن ينصب نفسه مدافعا عن حق الملوك والأمراء والسلاطين مبررا لأفعال الحكام والخلفاء والرؤساء ما داموا أصحاب سلطة، وما داموا أولى الأمر؛ مما جعل البعض الآخر يدافع عن حقوق المحكومين والمظلومين والمضطهدين ويأخذون صف الشعوب المغلوبة على أمرها. يمثل تراث السلطة الإرادة المطلقة، ويمثل تراث المعارضة خلق الإنسان لأفعاله. ودخلت معارك التفسير والمذاهب والعقائد في أتون الصراعات الاجتماعية والسياسية.

16

ومن الأسماء التي توهم بالجبر أن الله كامل، وأن تصور أي فعل حر مستقل عنه هو نيل من كماله وكأن الكمال لا يثبت إلا على حساب حرية أفعال العباد. وهو قريب من تصور الله كملك والعالم كله كملك له. وكأن الكمال الإلهي لا يثبت إلا بنقص الإنسان وخراب العالم.

17

وما أسهل الانتقال من الله الملك إلى السلطان الملك ما دامت عقائد الناس قد انغرس فيها الملك وأصبح الملك تكوينا نفسيا لهم وبناء شعوريا يوجههم، وثقافة يومية تغذيهم. وقد تكون الصورة ليس فقط المالك أو الكامل بل السيد، بالرغم من أن السيد ليس من الأسماء. فالسيد إذن أراد أن يظهر على الحاضرين عصيان عبده يأمره بالشيء ولا يريده منه. وكأن الله محتال، وكأن الله خادع للعبد، موقع له في شر أعماله، يأمره بالشيء ولا يريده منه. فالشيء لا يكون مرادا ويؤمر به! والفعل لا يكون قصدا ثم يأتي مخالفا للقصد، وإلا انفصل النظر عن العمل. وإذا اختلفت الأفعال فإنما يرجع ذلك لاختلاف الأحكام وسلم القيم.

18

والقول بالإلجاء هو أقرب إلى الجبر منه إلى الاختيار. وهو في حقيقة الأمر حاجة جدلية للرد على الجبر في أنه إذا كان مريدا لكل الأفعال، فالأولى أن يريد الطاعات وأن يلجئ العباد إليها بدلا من أن يلجئهم إلى المعاصي ويعذبهم، وتنزيها لله عن الشر وفعل القبائح. فهي حجة جدلية صرفة وليست شهادة واقعية لإثبات أن الله لا يتدخل في إيمان العباد أو كفرهم وإلا لجعلهم جميعا مؤمنين. ونحن لا نتحدث إلا عن الأفعال في الدنيا وليس عن الأفعال في الآخرة التي لا نعلم عنها شيئا والتي لم نشاهدها ولم نعشها ولم نعرفها إلا بقياس الغائب على الشاهد. خلق الإيمان بالالجاء هو أيضا جبر وليس فعلا اختياريا. وإذا كان الهدف هو إثبات قدرة الله دون قدرة الإنسان فالأولى إثباتها مباشرة دون ما حاجة إلى الإلجاء. ولماذا اللف والدوران عن طريق الإنسان؟ وهل الله يتخذ الإنسان ذريعة أو خديعة؟

19 (1-3) حجج الجبر

ويعتمد الإيهام بالجبر على عديد من الحجج النقلية أكثر من اعتماده الحلول المتوسطة بين الجبر والاختيار وأكثر من اعتماد التجربة الواقعية لخلق الإنسان لأفعاله، وذلك لأن الجبر نظرية السلطة تستعملها لفرض نفسها وقبول الناس لها؛ ومن ثم تستعمل السلطة السياسية حجج السلطة الدينية حتى يكون الموضوع والمنهج من النوع نفسه. ولأنه يصعب الدفاع عن الجبر عقلا فإنه لا سبيل إلا الدفاع عنه نقلا. وحجة النقل باعتباره سلطة هي في الحقيقة اختيار لنقل أو إسقاط من الأهواء والمصالح على النقل وابتسار ما يتفق معها منه؛ ومن ثم لا يوجد نقل إلا ومعه نقل مضاد لأهواء ومصالح متعارضة. ويكون الخلاف في التفسير هو في حقيقة الأمر تعارضا بين المصالح. ولما كان في كل مجتمع سلطة ومعارضة، قاهر ومقهور، أغنياء وفقراء، علية ودهماء، أقلية مسيطرة وأغلبية مقهورة؛ ظهر النقل نقلين. كل فريق يبتسر من النقل ما يتفق معه في مجتمعه، النقل فيه حجة وسلطة وهو مصدر للشرعية والطاعة. وما أسهل اتهام كل فريق بسوء التأويل أو سوء الفهم للآيات واستعداء النصوص على المواقف الفكرية التي تعبر عن المواقف السياسية أي استعداء السلطة على الخصوم وخاصة أن السلطة السياسة هي الحارس للسلطة الدينية وأن سلطة الحاكم هي الحارس لسلطة الكتاب والمستمدة منه. والنصوص متشابهة خاصة فيما يتعلق بالمتشابهات تعبيرا عن هذا الموقف الاجتماعي المزدوج وإعطاء كل فريق حقه في النضال السياسي والاحتكام إلى السلطة الشرعية. فإذا ما أعطى في بعض النصوص المتشابهة الأولوية للفعل الإلهي على الفعل الإنساني فإنما يكون ذلك تأدبا وتأكيدا للحق النظري الشرعي لله. كما أنه يكون في سياق خاص تدعيما للمعارضة وتشجيعا لها وتقوية لحقها ورفعا لمعنوياتها حتى لا يقع الفعل الإنساني تحت منظور قصير فيصاب باليأس والتشاؤم والإحباط. فلا تخرج الآيات من سياقها، أي من «أسباب النزول». وقد نزلت أمثال هذه النصوص في مجتمع ديني في أول عهد الناس بالرسالة دفعا للإيمان، وتأكيدا للألوهية كعامل نصر فريد ليس له وجود عند الآخر في مرحلة الفتح وليس تدعيما لفريق ضد فريق داخل المجتمع الجديد، وليس نصرة للسلطة على حساب المعارضة بعد قيام الدولة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٠