14
فإن اختلفت الأسماء فإنها تدل على مسألة واحدة وهي الصلة بين العقل الإنساني والوحي أو إن شئنا تضع من جديد مشكلة المعرفة، الصلة بين المعرفة عن طريق الوحي والمعرفة عن طريق العقل تدخل في جميع مسائل علم أصول الدين، في نظرية العلم في مسألة النظر والمعارف، والمسائل التي عرفتها المؤلفات المتأخرة في نظرية العلم والبحث عن المعرفة الضرورية وبداهات العقول والأخبار المتواترة، والصلة بين الدليل النقلي الفعلي والدليل العقلي القطعي.
15
كما تظهر في المقدمات النظرية في نظرية التكليف ضمن واجبات المكلف وأساسها في المعرفة أو النظر والاستدلال. وتدخل في التوحيد في تأويل الصفات عقلا وفي الاعتماد في خلق الأفعال على الأدلة النقلية أو الأدلة العقلية، النقل أساس العقل أو العقل أساس النقل، بل إن القرآن نفسه يدخل في باب العقل.
16
بل إن السمعيات أيضا مرتبطة بموضوع العقل والنقل، فالنبوة ووجوبها، والمعاد ومعناه، والإيمان والعمل والإمامة كلها، هل تثبت نصا أو إجماعا أو عقلا؟ بل ويمتد موضوع العقل والنقل خارج علم الكلام؛ إذ يستعمل النص في نقد النصوص في «تاريخ الأديان». إذا كان الموضوع نصرانيا استعملت نصوص الإنجيل، وإذا كان يهوديا استعملت نصوص التوراة.
17
كما تتدخل كثير من مسائل السمع خاصة فيما يتعلق باللغة من مباحث الأصول، هل اللغة توقيف أم اصطلاح، وكذلك في الأدلة الشرعية الأربع التي تبدأ بالنص، القرآن والسنة، وتنتهي بالعقل في الإجماع والقياس. وظهر الموضوع في علوم الحكمة في الصلة بين العقل والوحي أو بين الفلسفة والدين، كما ظهر في علوم التصوف في التعارض بين علوم العقل وعلوم الذوق، ويمكن أن يقال إن التراث كله نظرية في العقل أو نظرية في التأويل، أي صلة العقل بالنقل؛ لأنه عرض لمسائل الوحي عرضا عقليا خالصا حتى يبدو الوحي وكأنه نابع من طبيعة العقل وحده ومبادئه العامة وقوانينه الكلية، ويبدو ذلك حتى في الأسلوب «فإن اعترض معترض وقال ...»، «فإن قال قائل»، «فإن قيل»، «فإن قال الخصم»، «فإن اعترض أو قال»، وكأن المعارض العقلي مفروض مبدئيا، ومهمة عالم الكلام الرد عليه حتى يمكن العثور على بنية الموضوع واتساق العقل؛ ونظرا لأن العقل والنقل هما منهجان عامان للتراث كله، لم يدخل عند القدماء ضمن موضوعات العقل الغائي.
18
| ثانيا: تعريف الحسن والقبح
تختلف النظريات في الحسن والقبح طبقا للفرق، وتتفاوت التعريفات لهما بين الحسن والقبح الكونيين الوجوديين أو الحسن والقبح الذاتيين النسبيين أو الحسن والقبح العقليين الفعليين. الأولى تثبت الوجود الموضوعي للشر والثانية تثبت الوجود الذاتي الحسي له، والثالثة تجعله أقرب إلى أحكام العقل الثابتة والقيم المعيارية. (1) النظرية الكونية
وهي النظرية التي تثبت الحسن والقبح كموضوعات أو أشياء أو وقائع، داخلة في نسيج الكون سواء في الخلق أو في التكوين أو في المصير والتاريخ. وفي هذه الحالة يكون الحسن والقبح العقليان هما الخير والشر الكونيان على ما هو معروف في الديانات الشرقية القديمة، خاصة المانوية، وكما نقل الحكماء أو المتكلمون المتفلسفون. فالخير والشر مطلقان، كائنان ماديان في الوجود. هناك خير مطلق وشر مطلق، وخير وشر ممتزجان. الخير المطلق هو العقل ذاته والشر المطلق فوضى العقل، الصراع بين العلم والجهل، بين الفضيلة والرذيلة. ولما كان العقل الإنساني يتوق إلى الخير المحض ويتصل به، تنتهي النظرية الكونية في الحسن والقبح إلى نظرية إشراقية في المعرفة، كما تنتهي إلى نظرية في الفضائل تعطي الأولوية للفضائل النظرية على الفضائل العملية. وقد يتشخص الخير والشر في الكون في الثقافة الدينية فيصبح الخير المحض ملاكا والشر المحض شيطانا. وفي حال الامتزاج قد يكون الخير أكثر والشر أقل كما هو الحال في الكون، وفي الحال الغالبة. ولا توجد حالات في الكون يكون الشر فيها أكثر والخير أقل، فهذه نظرة تشاؤمية تجعل الشر أساس الخير كما هو الحال في عقيدة الخطيئة الأولى في النصرانية. ولا توجد حالة أخرى في الكون يتساوى فيها الخير والشر. فهذه المانوية وفرق الثنوية . ولا تختلف عن ذلك نظرية العقول العشرة ومراتب الكون عند الحكماء وتقابلها مع درجات المعرفة ومراتب الفضيلة ومراتب السعادة والشقاء في المعاد، ولكنها أدخل في علوم الحكمة، بعد أن انتشرت في علم أصول الدين عند المتأخرين.