5
وفي البعض الآخر ينقسم الموضوع قسمين، فيدخل الأصلح في أفعال الله والحسن والقبح في أفعال العباد.
6 (3) هل هي جزء من العدل؟
وقد تكون المسألة تطبيقا أو نتيجة لمسألة خلق الأفعال، وهو المظهر الأول للعدل.
7
وبالتالي يظهر الموضوع في باب العدل. فخلق الأفعال والحسن والقبح واجهتان لشيء واحد. وحرية الإرادة والعقل الغائي مظهران للعدل، وأحيانا يوضع الحسن والقبح كمقدمة لخلق الأفعال، فالنظر أساس العمل، والعقل شرط الحرية، وأحيانا أخرى يوضع كنتيجة له في سياق البرهان عليها. يكون الأساس هو خلق الأفعال، ولكن الشائع والأغلب أن يكون الحسن نتيجة لخلق الأفعال وليس مقدمة له، ونتيجة طبيعية للحرية وليس شرطا لها. الحرية تجربة بديهية وجدانية لا تحتاج إلى إثبات أو دليل. وإنكار الحسن والقبح إنكار للحرية. الحرية مقدمة والحسن والقبح نتيجة، ولا يمكن التسليم بالمقدمات وإنكار النتائج. وقد يتضخم أصل العدل حتى يضم السمعيات، النبوات والمعاد والأسماء والأحكام بالإضافة إلى خلق الأفعال. ويصبح علم أصول الدين قائما على أصلين: التوحيد أي الذات والصفات ثم العدل، ويشمل ثلاثة أرباع العلم.
8
وقد يتضخم أصل العدل فيصبح شاملا لكل شيء.
9
ويبدو التعديل والتجوير بعد الإرادة ويدخل معها خلق القرآن والمخلوق والتوليد والتكليف والنظر والمعارف واللطف والأصلح واستحقاق الذم والتوبة والنبوات والمعجزات وإعجاز القرآن والشرعيات قبل أن ينتهي الكل بالإمامة؛ لذلك يشمل لفظ العدل تجاوزا عند المعتزلة الأصول الخمسة كلها، فهي كلها علوم العدل وكأن أصل التوحيد ذاته قائم على العدل. أصل العدل هو الشامل لكل شيء وكأن العقائد كلها عقائد العدل، والحضارة كلها حضارة العدل وإن لم يكن المجتمع كله مجتمع العدل.
10
والعدل هو إلحاق النفع بالغير لا بالنفس. العدل تحقيق علاقة بين طرفين؛ طرف عادل وطرف معدول به أو علاقة تساو في العدل بين الطرفين، ولكن من هما الطرفان؟ الإنسان الكامل والإنسان المتعين؟ الذات المشخص والوعي بالذات؟ هل العدل صفة لأفعال الذات المشخص وصلتها بالإنسان؟ ولماذا لا تكون صفة العدل وصفا لأفعال الإنسان في علاقاته بالآخرين؟ محال على الله أن ينفع ذاته أو يمنع الضرر عن نفسه. العدل إذن بالنسبة إلى الإنسان وليس بالنسبة لله. العمل مجاز في الله وحقيقة في الإنسان.
11
وهو مبدأ عام بدليل وجوده كاسم فعل «عدل» وليس مشخصا في اسم فاعل «عادل». والعدل لا يتغير في الله أو في الإنسان؛ فالفعل لا يكون عدلا من الله ظلما من الإنسان أو ظلما من الله عدلا من الإنسان، فالعدل صفة في الأفعال، أفعال الإنسان باعتباره موجودا في العالم وذلك إحالة للحسن والقبح إلى موضوع الحرية من جديد. العدل هو التسوية بين العباد، فالإنسان طرف مساو للإنسان، لا طرف أعلى ولا طرف أقل. العدل وضع طبيعي للأشياء في حين أن الظلم وضع غير طبيعي، وضع مؤقت يتغير إلى وضع العدل كوضع طبيعي، ولكن هذا التغير لا يحدث إلا بفعل الإنسان أي بإرادته الحرة، والعودة إلى المقدمة الأصلية التي يرتكز عليها العدل، وهي الحرية. (4) هل هي أصل مستقل؟
تعتبر مسألة السمع والعقل إحدى الأصول الكبار التي تختلف عليها الفرق مثل التوحيد والعدل والوعد والوعيد أو الإمامة.
12
والحقيقة أن مسألة السمع والعقل ليست موضوعا مستقلا يظهر في مصنفات علم الكلام كما يظهر التوحيد، بل هي منهج وليست موضوعا، منهج يتخلل الموضوعات كلها دون أن يفرد له باب خاص، أو على الأقل هي أقرب إلى المنهج منها إلى الموضوع الذي يحدد وسائل المعرفة ومصادرها وميادينها ... إلخ.
13
فالأدلة نوعان: سمعية وعقلية. ولإثبات شيء لا بد من الاعتماد على هذين النوعين من الأدلة، ولنفيه لا بد من تفنيد الأدلة النقلية أولا، ثم العقلية ثانيا. مسألة العقل والنقل إذن مسألة منهجية خالصة، ومنها جاءت تسمية مشكلة «العقل والنقل» من أجل حل التعارض بين الدليل العقلي القاطع والدليل النصي المتواتر، وتكون أفضل نظرية في التفسير منها في الحسن والقبح العقليين.