تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

كما اعتبر الأفغاني رياض باشا رمز الوطنية، ونعم الوطني الغيور. خدم بلاده. مواقفه كالهرمين، صائب الرأي، ثاقب الفكر. أقوم أمير، وأشد حرصا على الاستقامة، وأبصر أهل البلاد بعواقب الأمور. نقد من يتجنس بالجنسية الإنجليزية ويصبح كالأجنبي، موقفه الوطني جعله يرفض الحماية؛ فلفظ

برتكتورا

غير مفهوم. فإما ترك إنجلترا البلاد وإما احتلالها ولا وسط بين الاثنين. وشريف في وطنيته مثل رياض. لذلك تأسست مجلة الرياض المصرية على اسمه، والتي قال فيها الأفغاني إنه يعيش

زمن تحرير الأرقاء وإسارة الأحرار . ويغادر الأفغاني إلى لندن وباريس ويطالب بأمواله وكتبه من رياض باشا، ويبين ما وقع له في الهند. ويطلب من عبد الله فكري التدخل لصالحه. أما نوبار باشا فعلى العكس رمز الخيانة. ليس مصريا ولا عربيا ولا مسلما. باع مصر بثمن بخس. طالب بإبعاد الوطنيين من مصر مثل الزبير ورياض وشريف وكل شريف وربما أيضا منع العروة الوثقى، وطالب بإغلاق الأزهر. عطل جريدة وطنية كالأهرام شهرا وزج بأصحابها في السجون. عمل على نكاية مصر. وتبوأ منصب رئيس النظار وليس بينه وبين المصريين أي صلة. فلو باع مصر بأبخس الأثمان فهو الرابح، ولا يخسر ببيعه ملة أو دينا أو صلة أو جنسا. ومن الدخلاء في مصر ما هو أشنع من نوبار وآلة للاستعباد. والخونة لا يتبدلون إلا في الأسماء. لذلك وجبت مواجهة نوبار وإحباط مساعيه ومساعي أوليائه الإنجليز في الكيد لمصر وتطبيق ما يسمى بإصلاحات للورد دوفرين التي عارضها رياض. ومثل نوبار الضابط عثمان باشا. ففي رسالة إلى عبد الله فكري يصرح الأفغاني أنه لم يضمر للخديوي ولا للمصريين شرا ولا أراد ضرا، ولكن الضابط عثمان باشا نهشه ضغينة منه على إبراهيم اللقاني وإغراء من أعدائه، أحزاب عبد الحليم باشا. كان الأفغاني يقف في صف الوطنيين المصريين مثل رياض وشريف ضد الأجانب المتغربين مثل نوبار وعثمان وغيرهم من الأرمن والشراكسة تحقيقا لشعاره

مصر للمصريين .

21

الفصل السابع

| الأمة في التاريخ

(1) وحدة الأمة

إذا كانت مصر والشرق تعبران عن أحد جوانب الفلسفة السياسية عند الأفغاني فإن الأمة في التاريخ تعبر عن فلسفته في التاريخ، تحويل فلسفة السياسة إلى دراما التاريخ.

والأمة واحدة، ترتبط فيما بينها برابطة الدين لا الجنس، بعصبة الأخوة وليس بعصبة العرق. ويستعيد الأفغاني العصبية عند ابن خلدون بمعنى الترابط الاجتماعي بالإضافة إلى الأخوة الدينية، والتعصب تهمة لصقها الإفرنجي بالإسلام والمقلدون لهم واتهام كل من يحافظ على شريعته بالتعصب

Fanatisme

مطالبين بالقضاء على التعصب الديني. والتعصب من العصبية نسبة إلى العصبة والقوم. والعصبة بهذا المعنى أساس الترابط بين الشعوب واتحاد الكلمة، روح كلي يربط بين الأفراد، يحميه من الأجنبي ويرفع الرءوس، وهي سنة الله في خلقه. إذا ضعفت العصبية فشلوا وغفل بعضهم عن بعض وتقطعت الأواصر فيدخل الأجانب. والتعصب له حد الاعتدال والتفريط. اعتداله كمال، وتفريطه نقص. الكمال وحدة ترابط، والنقص الدفاع عن النفس عن حق أو باطل وهو الممقوت على لسان الشرع في حديث

ليس منا من دعا إلى عصبية . التعصب الإيجابي نعرة على الجنس والنسب والاجتماع في منبت واحد والترابط بين النوع. هو الذي يربط المصري بالتركي والعربي والفارسي والهندي والمغربي. الأصل عون والعرق جساس.

1

والتعصب المرذول هو الذي قاد الغرب إلى اندفاعه نحو بلاد المشرق لمحض الفتك والإبادة لا للفتح أو الدعوة إلى الدين كما هو الحال في الحروب الصليبية وكما فعل الإسبان في طرد المسلمين من الأندلس وحرق المسيحيين اليهود في القدس.

وإذا كانت رابطة العصبية قد تتحول إلى تعصب عرقي فإن رابطة الأخوة الدينية قد تتحول أيضا إلى تعصب ديني. ولا فرق بين التعصب الجنسي والتعصب الديني في أن كليهما ذميم وإن كان الثاني أظهر من الأول. والعصبية قد تكون من الدين أو النسب. وهما رابطتان عند كل البشر، وصدرت عنهما آثار يفتخر بها الإنسان، وأوصلا الأقوام إلى المجد. ويأمر القرآن برابطة الدين

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٦٧