17
ولكن الأحزاب السياسية في الشرق دواء وداء في نفس الوقت؛ إذ تتألف الأحزاب لطلب الحرية والاستقلال، وتبدأ والكل أصدقاء، ثم ينتهون والكل أعداء بسبب عدم تكافؤ القوى بين الأمة وأحزابها السياسية أو بلغة العصر بين الدولة والمجتمع المدني؛ إذ يقوم الحزب السياسي بعناصر ضعيفة وبأفراد قلائل، يعلنون برنامجا لتحرير الأمة من الاستعمار والاستعباد، فتتألف القلوب حولها، وتجتمع الكلمة. ويستحسنها الغريب، ويخافها الدخيل. تفرح الأمة ببرنامج الحزب ووعوده في الآجل والعاجل فتؤازره وتطيعه، ثم بعد ذلك تظهر في رؤساء الأحزاب الأثرة والأنانية، وتفضيل حب الذات على مصلحة الأمة. فتنزوي الناس عنه وتنكمش النفوس منه، وتترك الحزب أو تعاديه. لا يعني ذلك أنه لا فائدة من الأحزاب على الإطلاق، فإن الشرق بعد أن وقع في الاستعباد في حاجة إلى يقظة، والحزب يقوم بذلك حتى يظهر في الشرق أفراد كما ظهر في الغرب أفراد يستشهدون في سبيل الأوطان. حينئذ ينشأ الحزب لجمع الشتات، والقضاء على الذل، وبيان نعمة الإخاء والتعاون والاتحاد، يعمل على عزة البلاد ونصرة المظلوم، فواضح أن مهمة الحزب تربوية ثورية، وهو ما كان الأفغاني يحلم به بتأسيس العروة الوثقى، النواة السرية للحزب، وحولها تقوم الخلايا، ولكنه لم ينج نظرا لعدم استقراره في وطن. وهو ما حاوله حسن البنا بعده وينجح في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نجحت فيه أيضا الجماعات الإسلامية ولكن دون نظرية ثورية.
18
ومع ذلك، وبالرغم من تأكيد الأفغاني على أهمية الحكم النيابي والتعدد الحزبي إلا أنه صاغ أيضا نظريته في
المستبد العادل
كنظام أمثل للشرق، فقد عرفت مصر النظام الفرعوني على ضفاف وادي النيل. وانتصر لها موسى ويوسف. فالمصريون في حاجة إلى عزم وحكمة وقوة، وذلك لا يتم بالقهر بل بالكلمة وتوحيد الأهواء وتوجيهها نحو الغاية، وتلك مهمة الرجل القوي العادل. القوة المطلقة استبداد، والعدل بلا قوة تراخ. يحتاج العدل إلى قوة قصدية وهو ما يستطيعه المستبد العادل. لا تحكم مصر إلا بأهلها واشتراكهم في الحكم والدستور الصحيح دفاعا عن الحرية والاستقلال؛ فالحرية لا يهبها الملك، والاستقلال لا يعطيه المستبد. إنما يؤخذان بالكفاح. ولا يسلم الشكل الدستوري من رجل قوي. لذلك لا يحكم الشرق إلا قوة عادلة تخضع لها الأمة. وهي تحقق مصالحه. وهي قوة وطنية؛ لأن الأمير الصالح القريب أولى من البعيد الغريب. أما الحكم الجمهوري فلا يصلح للشرق اليوم ولا لأهله.
19
ومصر أحب البلاد إلى الأفغاني، ترك لهم فيها محمد عبده، طودا من العلم الراسخ، وعرمرما من الحكمة والشمم وعلو الهمم. ومع ذلك ما زال المصريون في جمود وقعود. ويتساءل الأفغاني كيف لم يستطع الشيخ تحقيق مهمته وله تلاميذ مثل سعد زغلول؟ كيف لم تتألف منهم اليوم عصبة حق تقف للإنجليز، تحمي الهرمين وتصون الحرمين؟ يريد الأفغاني الاستمرار في تلاميذه ليس فقط في البداية في الثورة العرابية ولكن أيضا باستمرارها في ثورة 1919م التي قادها سعد زغلول. واستمر تراث الأفغاني في الحزب الوطني المصري الذي كتب برنامجه محمد عبده معبرا عن أفكار الأفغاني. كان الأفغاني يسمي محمد عبده الشيخ الصديق، وعبد الله النديم الصديق. كان عبد الله النديم كثير التردد في آخر أيامه على جمال الدين حتى غار منه محمد عبده. ذهب الشيخ محمد عبده إلى لندن لمناقشة المسئولين. فناقش اللورد هرتكتون وزير الدفاع دفاعا عن حق المصريين في الاستقلال؛ لأن حب الأوطان مغروز في الطبيعة البشرية التي تنفر من الأجنبي، وأن مصر شعب تعلم منذ محمد عبده بعد أن رأى اللورد أن ذلك من خصائص الأمم المتعلمة المهذبة، وأن الشعوب المستعمرة مثلها مثل الحيوانات السائمة. فالمصريون إما إن يختاروا الاستقلال دفاعا عن شرف الوطن أو الدين أو يكونوا كالحيوانات. لقد عرف الأفغاني محمد عبده في الضراء والنديم في السراء. وقد كان النديم نفسه كالأفغاني في النفي والسجن والحكم عليه بإهدار الدم.