تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وإلى الأفغاني تعود الفعالية للحركة الإسلامية المعاصرة في أفغانستان أثناء حرب الاستقلال ضد الغزو السوفيتي قبل أن تتحول إلى حرب أهلية بين الفرق، كل منها يظن أنه الفرقة الناجية، وفي البوسنة والهرسك بالرغم من عجز المسلمين على مدى ثلاث سنوات وانتظار القطب الأوحد في العالم لإنهاء الصراع على حساب المسلمين، وفي لبنان وفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي دون استنارة الأفغاني وليبراليته ودعوته إلى حرية الفكر والنظم البرلمانية والدستور. فقد بعدت المسافة بين ليبرالية القرن الماضي وأوائل القرن، منذ ثورة 1882م حتى ثورة 1919م، وبين هذا الجيل بعد أن قضت الثورات العربية الأخيرة منذ أوائل الخمسينيات على النظم الليبرالية العربية، وغابت عن النظم الملكية الوراثية التي ترسخت بعد انحسار المد الثوري العربي، وبالرغم من أشكال الديمقراطية في مجالس الشورى والشعب والأمة والبرلمان والتعددية الحزبية في بعض الأقطار.

ويبدو أن طول اضطهاد الحركة الإسلامية واستبعادها من العمل الوطني على مدى نصف قرن حولها إلى حركة مناهضة تقابل الإقصاء بالإقصاء، والرفض بالرفض، والاستبعاد بالاستبعاد، وتواجه العنف بالعنف، والسلاح بالسلاح. لا تفرق بين العدو الخارجي، الاستعمار والصهيونية، وبين العدو الداخلي، الملكية والعسكرية. ولا تفرق بين المرحلتين التاريخيتين، مرحلة التحرر الوطني ضد الاستعمار، ومرحلة التحرر الاجتماعي ضد التخلف وبعد استقلال الدول. بل يعطي البعض الأولوية للنضال ضد الداخل على النضال ضد الخارج ولتحرير الأنظمة العربية من الطاغوت على تحرير فلسطين من الاستعمار الاستيطاني. إذ

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، في حين أن القرآن أيضا أعطى الأولوية للنضال ضد الخارج على النضال ضد الداخل،

أشداء على الكفار رحماء بينهم ، وجاعلين الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، والجهاد الأصغر هو الجهاد ضد العدو الخارجي بالرغم من تحذير الإخوان الأوائل من سوء تأويل الأحاديث وعدم التيقن من صحتها لخطورتها على الجهاد ضد الاستعمار والصهيونية.

4

وتظهر دلالة الأفغاني في عصر الاستقطاب بين خطابين سائدين في الفكر العربي المعاصر، الخطاب السلفي الذي يعرف كيف يقول ولا يعرف ماذا يقول، والخطاب العلماني الذي يعرف ماذا يقول ولا يعرف كيف يقول. إذ يقدم الأفغاني الخطاب الثالث الذي يعرف كيف يقول ويعرف ماذا يقول. وهو الخطاب الذي حاول

اليسار الإسلامي

إعادة صياغته في أوائل الثمانينيات في بداية الاستقطاب. أما وأن الاستقطاب تحول إلى حرب أهلية في الجزائر وإراقة الدماء بالآلاف، دماء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وأصبح يهدد تركيا بالنزاع بين الجيش وحزب رافاه، ويثير القلاقل في مصر واليمن والخليج وليبيا ولدرجة الكبت في سوريا والعراق والمغرب وتونس فقد أصبحت دلالة الخطاب الثالث عند الأفغاني، الإسلام الوطني أو الإسلام الثوري أو الإسلام السياسي، ملحة للغاية في الداخل والخارج، وفي عصر التحول من قرن مضى إلى قرن آت.

وظهرت محاولات لتشويه صورة الأفغاني في جيلنا من أجل قطع جذور نضالنا الوطني والقضاء على الإسلام الثوري إبقاء للاستقطاب بين الإسلام السلفي والثورة العلمانية الغربية، والفتور من الأول والإعجاب بالثانية، وحتى يبقى الباحث وحده مثالا للوطنية ورافعا شعار

مصر للمصريين

بمضمونه العلماني وليس الإسلامي الوطني وربما بمضمونه القبطي ودرءا لمخاطر الثورة الإسلامية في إيران التي أصبحت محط جذب للشعوب العربية الإسلامية. فالثائر لا يكون إلا غريبا والإسلامي لا يكون إلا متخلفا؛ فكل شيء سيئ في الأفغاني حتى الوطنية والمعاداة للاستعمار ودعوته للجامعة الشرقية في مواجهة الغرب؛ فالباحث قبطي والمبحوث إسلامي، والباحث علماني والمبحوث ديني، والباحث غربي والمبحوث شرقي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٣