يتمثل فقدان الهوية في العنف، وغياب رابط للذات، تصبح عاصفة هوجاء، هويتها خارجها تبحث عنها، تمتد خارج حدودها، لا تعترف بهويات الآخرين مثل النازية والفاشية والصهيونية؛ كما تجلى ذلك في الاستعمار والتبشير، فالنازية ترى أن «ألمانيا فوق الجميع»، وأن الجنس الألماني هو أنقى الأجناس، وأن الجنس الآري أرقى من الجنس السامي، الآخر ليس له إلا أفران الغاز أو معسكرات الموت. وقد كانت النازية ترجمة للعنصرية البيولوجية التي سادت القرن التاسع عشر، وتطور الأحياء، والتي بلغت ذروتها في نظرية النشوء والارتقاء وفي موسيقى فاجنر وفلسفة نيتشه. والفاشية صيغة أخرى للنازية الإيطالية. الهوية الزائدة تؤدي إلى العدوان، وعدم الاعتراف بالغير.
والنزعات القومية المتطرفة أيضا تعبير عن تخضم الهوية، والانتشار خارج الحدود في مناطق جغرافية يصعب تقسيمها إلى دول؛ مثل أواسط آسيا أو جنوب شرق آسيا، أو وسط وجنوب أفريقيا أو شرق أوروبا أو أمريكا اللاتينية، فالمنطقة كلها وحدة جغرافية وتاريخية وثقافية واحدة. أما اللغة فإنها لهجات قبلية متعددة؛ بصرف النظر عن الحدود، ففي داخل القطر الواحد أكثر من لهجة، واللهجة الواحدة قد توجد داخل القطر وخارجه عبر الحدود.
والصهيونية أيضا قومية متطرفة تأخذ الدين ذريعة وأساطير المعاد وسيلة لاحتلال أرض الغير؛ فلسطين. قامت على نفس الأسس التي قامت عليها أيديولوجيات القرن التاسع عشر العنصرية والرومانسية، والعودة إلى الأرحام. فاليهودي هو صاحب الأرض منذ الأزل؛ بفضل عهد عقده الله مع بني إسرائيل بتمليكهم هذه الأرض، وتوريثها لأحفادهم إلى يوم الدين. وقد كلفت العنصرية تشريد شعب بأكمله، نصفه في الخارج في مخيمات، ونصفه في الداخل تحت الاحتلال.
ولما كانت الهوية نسقا من القيم - وفي مقدمتها الكرامة - فإن أي نيل من كرامة المواطن يفجرها؛ كما حدث في حرق بوعزيزي نفسه عندما نالت شرطية من كرامته، وكان ذلك بداية اندلاع الثورة في المدينة ثم المقاطعة ثم في تونس بأكملها، ثم امتدت الشرارة إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، ووصلت إلى أبعد مدى في البحرين وعمان شرقا، والأردن وسطا، وفي المغرب غربا. فقد انتشرت الثورات العربية الأخيرة دفاعا عن الكرامة قبل الحرية والعدالة، لا فرق بين كرامة الفرد وكرامة الشعب، كرامة المواطن وكرامة الوطن.
بل امتدت ثورة الكرامة خارج المنطقة العربية؛ فالكرامة بلا حدود. امتدت إلى الإقليم المحيط إلى حوض البحر الأبيض المتوسط في جنوب أوروبا، البرتغال، وإسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وإلى شرقه في روسيا. فأوروبا وآسيا بعدان إقليميان للمنطقة العربية، بل امتدت إلى ما وراء الأطلنطي في حركة «وول ستريت» ضد النظام الرأسمالي الذي يطعن في كرامة الفقراء لحساب الأغنياء.
خامسا: هل يمكن تحديد الهوية؟
هل يمكن تحديد الهوية؟ ومم تنشأ؟ هل هي هوية المكان؟ فالإنسان يولد في بقعة من الأرض، في وطن وفي دولة، ينشأ فيه ويترعرع، يقضي طفولته وصباه، ورجولته وشيخوخته، يحن إليه كلما غادره، وطالما نشأت الأغاني في الحنين إلى الأوطان، وآلام البعد عنها، وضرورة عودة «الطيور المهاجرة». والتغريب جزء من الحدود؛ أي: إن الإخراج من الأوطان لمدة عام حماية للمجتمع من سوء أفعال صاحبها، وللرسول قول ساعة الهجرة من مكة وهو ينظر إليها ويصفها بأنها أحب الأماكن إلى قلبه، ولكنه يتركها مضطرا إلى أن عاد إليها بعد الفتح. وكتب أبو حيان «الحنين إلى الأوطان»، فالهوية المصرية نسبة إلى مصر، والتونسية نسبة إلى تونس، واليمنية نسبة إلى اليمن، والسورية نسبة إلى سوريا. والإقليم هو الجغرافيا وليس الدولة؛ إذ تتغير حدود الدولة مثل السودان، ولكن الإقليم لا يتغير. والوطن عند فشته يجاوز الحدود الجغرافية؛ هو الوطن المثالي، الوطن الفكرة، الوطن الروح؛ فمهما احتلت الأرض فإن الروح لا يحتل.