تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو الإحساس بالشقاء أو سبب نشأة الوعي الشقي؛ يوجد الإنسان ولا يوجد، يعمل ولا يحصل على نتاج عمله، ينتج ولا يعود عليه إنتاجه بشيء، يوجد لغيره، ويعيش لآخر، ويظل منقسما بين ما يريد وما لا يستطيع، بين ما يبغي وما يحقق، ويتراكم الوعي بالبؤس أو الوعي بالشقاء حتى يصبح البؤس هويته، والشقاء ماهيته، وتنطفئ هويته الأصلية وتنزوي ماهيته الأولى إلى حين.

وقد يتولد الكبت وطمس الهوية عن طريق الخلاف الأيديولوجي بين الحاكم والمحكوم. لقد حلل ماركس الاغتراب الاجتماعي والسياسي لوضع العمال والفلاحين في المجتمع الصناعي والمجتمع الإقطاعي. فالكبت الأيديولوجي كان قد تم التحرر منه عند الإصلاح الديني قبل ذلك بقرنين من الزمان؛ الكنيسة ضد معارضيها، والكاثوليك ضد البروتستانت. أما في العالم الإسلامي فالقهر والإزاحة والاستبعاد ضد الجماعات الإسلامية التي تنتسب إليها كل الطبقات الاجتماعية؛ فقراء وأغنياء، عليا ودنيا ومتوسطة. فالأيديولوجيا تخترق الطبقات، والهوية الأعمق من الولاء الأيديولوجي قبل الانتساب الطبقي، وهو ما لم تدركه الماركسية العربية التي ظلت على اعتقادها الماركسي التقليدي بأن الانتساب الطبقي سابق على الولاء الأيديولوجي.

وقد يتحول كبت الهوية - عن طريق السجن والاعتقال والتعذيب والملاحقة والمطاردة - إلى ثورة مفاجئة؛ إذ تكمن الهوية ولكن لا تنعدم، فالهوية هي أصالة الوجود؛ تنعدم بانعدامه. ولما كان الوجود باقيا، الفردي أو الجماعي، فإن الهوية هي الباقية، بل إنها تشتد وتزداد وترفض ما سواها؛ كما حدث عند الجماعات الإسلامية بعدما اعتقلت وعذبت على مدى نصف قرن، ثم خرجت أكثر تمسكا بالهوية الإسلامية، مكفرة كل أنظمة الحكم التي عذبتها؛ ليبرالية أو قومية أو اشتراكية أو ماركسية، تفرض نفسها على باقي الهويات أو تزيحها من أمامها، وترفع شعارات «الحاكمية لله» ضد حاكمية البشر، و«الإسلام هو الحل»، «الإسلام هو البديل»، ضد الأيديولوجيات العلمانية، «تطبيق الشريعة الإسلامية»، ضد التذبذب في القوانين وتبديلها وتكييفها طبقا لإرادة الحكام. ويتحول الوجود الإنساني من العدم المطلق إلى الوجود المطلق، من السلب المطلق إلى الإيجاب المطلق، وتتحول الهوية المنطوية المنكمشة المتقلصة إلى الهوية المنبسطة المنفرجة المتمددة، تتضخم الهوية بحيث تطغى على الوجود ذاته.

وتنفجر الهوية ضد كل مظاهر الاستبداد السياسي والثقافي؛ عن طريق الاستبعاد والتهميش وتزوير الانتخابات؛ كما حدث في الانتخابات المصرية قبل الثورة، بل وتدبير الانقلابات إذا ما نجحت الجماعة الإسلامية، جماعة الإنقاذ مثلا في الجزائر، ونشوب حرب أهلية بينها وبين الجيش كلفت أكثر من مئة ألف قتيل. تنفجر الهوية ضد انتهاك الحقوق والإهانة بالضرب والتعذيب، فالهوية هي الحارسة للوجود، والضامنة لبقائه.

وقد يكون اللون وسيلة لتأكيد الهوية تحت الاضطهاد مثل اللون الأسود، هوية منبسطة وممتدة، وهي الهوية البيضاء، على هوية منكمشة ومنطوية، وهي الهوية السوداء؛ بصرف النظر عن الوضع السياسي الاجتماعي للجماعة السوداء وحقوق الإنسان. فاللاوعي العنصري ما زال قابعا في المجتمع الأبيض مهما تغيرت القوانين العنصرية إلى قوانين إنسانية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، فبقدر ما تضغط الهوية البيضاء تتفجر الهوية السوداء، وإن لم تستطع الهوية السوداء أخذ حقوقها سلما، فإنها تتفجر عنفا، وبقدر ما يكون استبداد اللون الأبيض يكون تفجر اللون الأسود. وهو ما لا يزال حادثا في الولايات المتحدة الأمريكية، وما قامت بسببه الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر بسبب تجارة العبيد. وقد ألقيت القنبلة الذرية الأولى في العالم من الجنس الأبيض على الجنس الأصفر، مع أن ألمانيا أيضا كانت هي التي أشعلت الحرب أولا، ولكنها كانت من الجنس الأبيض، بل إنها كانت تعتبر نفسها خلاصته.

الهوية · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الهويةص ١٢