ويمكن تحديد هذه المبادئ والروح العامة التي يمكن أن يستلهمها المجتمع العربي في قيمه المستقبلية ونظمه وتشريعاته على النحو الآتي: (1)
العقل: الإسلام دين العقل، وذلك بنص القرآن الكريم والحديث وبإجماع الأمة ورأي العقلاء.
1
وقد قامت الحضارة الإسلامية كلها على العقل. وظهر كأساس في العلوم العقلية وفي العلوم النقلية العقلية؛ فالعقل أساس النقل عند المعتزلة. وإن كل الحجج النقلية حتى لو تضافرت لإثبات شيء على أنه يقيني لما أصبح كذلك وظل ظنيا لا يتحول إلى يقين إلا بحجة عقلية ولو واحدة بإجماع الأشاعرة. والعقل الصريح موافق للنقل الصحيح عند جمهور الفقهاء، والقياس أصل من أصول الشريعة عند الأصوليين، وإن إيمان المقلد لا يجوز. والحكمة والشريعة أو الفلسفة والدين متحدتان بالطبع، متحابتان بالغريزة عند الحكماء، والعقل هو الله عند الفلاسفة، والعقل الفعال موطن العلوم والمعارف، وغاية الإنسان الاتصال به والاتحاد معه. بل إن العقل لا يعارض الذوق بل يفهمه ويعقله كما هو الحال في حكمة الإشراق. وعندما ترجمت الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط المسيحي ساعدت على إنماء التيار العقلاني في الفكر المسيحي وفي بدايات العصور الحديثة حتى أصبح الفيلسوف مرادفا للمسلم، والإسلام مرادفا للفلسفة. وقد ظهر ذلك أيضا في معظم كتاباتنا الإصلاحية وأدبياتنا الحديثة التي بها ندافع عن الإسلام ونميزه بها عن غيره من الديانات.
والغريب أن مجتمعاتنا الحالية تشكو من اللاعقلانية، وتئن تحت وطأة الأسطورة، وتجعل الحركة الإسلامية النقل أساس العقل، وتحول علم أصول الدين إلى علم نقلي خالص «على المؤمن أن يؤمن بخمسين عقيدة!» كما يدرس حاليا في معاهدنا وجامعاتنا الدينية، كما تحول علم أصول الفقه إلى علم نصي خالص. ولم يعد الاجتهاد ممكنا إلا في حدود إجماع القدماء واتفاق المذاهب الأربعة. وتحولت الحكمة إلى إشراق، وضاع منها جانبها العقلي، وعم التصوف، وانتشرت الطرق الصوفية. وظهرت مكانة القديسين والأولياء في ممارساتنا الشعبية. يحارب الملائكة مع المسلمين، ويعبرون القناة معهم، ويزداد المحصول معجزة من عند الله، ويظهر النفط توفيقا من الله، وينطوي النبات على نفسه إذا ما نبت في الفضاء خشية من الله، ونكفر كل من يحاول ربط الأسباب بالمسببات. ويتحدث الدعاة أمام أجهزة الإعلام عن قصور العقل عن إدراك الحقائق العليا أو عن عجائب الكون الذي يقف الإنسان أمامه فاقد الوعي والاتزان. وما زلنا ندعو إلى العقلانية منذ فجر النهضة العربية الحديثة ولكنها عقلانية الغرب، عقلانية ديكارت وكانط وهيجل، ونقرأ من خلالها حركة الإصلاح الديني دون أن نحاول تأسيس العقلانية المعاصرة ابتداء من التراث العقلاني الاعتزالي الفلسفي القديم الذي كان وراء عقلانية الغرب. (2)
الطبيعة: والطبيعة قيمة ثابتة في الوحي منذ البداية عن طريق تسخير كل ما في الكون لصالح الإنسان.
2
الشمس للدفء، والقمر للنور، والكواكب والنجوم هداية، والأرض للسعي والرزق، والماء والهواء والزرع للحياة، والجبال للسكن، والحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، والسمك والطير للطعام، والأنعام للانتقال. قوانينها ثابتة ودائمة يعرفها الإنسان بالملاحظة والتجربة والعقل والاستدلال، ويسيطر عليها، ومن خلالها يسيطر على الكون، فالإنسان سيد الكون. مظاهرها آيات، والآية ظاهرة طبيعية ونفسية، وكلاهما موضوع تأمل واستبصار.
وقد ظهرت الطبيعة في تراثنا القديم في العلوم العقلية الرياضية والطبيعية خاصة. وأصبح «تاريخ العلوم عند العرب» نموذجا يحتذى به في العصر الوسيط الأوروبي، وكان وراء النهضة العلمية الأوروبية الحديثة، وأصبح من أهم موضوعات معاهد «تاريخ العلوم»؛ فقد أقر الفلاسفة حتمية قوانين الطبيعة.