تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدور الثقافي إذن هو الأبقى، وهو الأقدر على الحفاظ على كل مكتسبات الثورة العربية المعاصرة، بل وعلى مكتسبات النهضة التي بدأناها في القرن الماضي إن كانت ما زالت باقية. الثورة الثقافية هي الثورة الدائمة، الثورة التي تغير مجرى التاريخ، الثورة التي تنبع من «روح التاريخ» أو تنبثق من «تاريخ الروح»، والتي لا تنشب فقط من مجرد انقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة، يقوم بها الضباط الأحرار أو التنظيمات السرية سواء كانت إسلامية أو ماركسية.

6

وبطبيعة الحال، يكون ذلك دور المثقفين، فليس المثقف هو المتعلم أو العالم، بل الذي تحولت الثقافة لديه إلى وعي بالذات وبالتاريخ. وليس مصدر الثقافة وحده هو المكتوب بل قد يكون الشفاهي، وبالتالي يكون أيضا للمثقفين العاميين دور من خلال التراث الشفاهي. وقد كان الوحي تراثا شفاهيا قبل أن يصبح مدونا. (6)

والتخطيط لهذا الدور هو الذي سيكشف البعد المستقبلي في وجداننا المعاصر وجذوره في الفكر الإسلامي؛ فالمستقبل هو هم الجميع لا هروبا من الماضي وكرد فعل على الحركة السلفية وعلى نقيض منها، أو هربا من الحاضر وكرد فعل على هزائمه وكأن المستقبل سيأتي معه بحلول للحاضر رجوعا إلى الوراء، بل يعني المستقبل رؤية شاملة تضع الفكر الإسلامي في منظور تاريخي، وكحلقة متصلة من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، دون إخراجه من الزمان أو ابتساره في إحدى لحظاته. ويقوم بهذا الدور عدة أجيال وليس جيلا واحدا لأنه «مشروع رؤية» تتحقق على فترات؛ فالتاريخ مراحل، والأجيال متعاقبة، والأدوار متصلة.

والتعرض للمستقبل ليس تبعية للدراسات المستقبلية أو علوم المستقبل المعروفة في الغرب والتي أصبحت بريقا عند المعاصرين منا، ومفتاحا سحريا لمشاكل الجيل، بل ضرورة داخلية للفكر الإسلامي؛ نظرا لامتداد جذوره في الماضي، وتراكمه في الحاضر وترسبه فيه. وبالتالي يكون بعده المستقبلي ضرورة تاريخية نظرا لامتداده في الزمان واتصال أبعاد الزمان الثلاثة. كما أنه لم يغب في تراثنا القديم في أمور المعاد في علم أصول الدين، وفي الاتصال بالعقل الفعال وخلود النفس في علوم الحكمة، وفي تطور النبوة ومستقبلها ودور الولاية والإلهام والغاية في علوم التصوف، وكما ظهر في مقاصد الشريعة في علم أصول الفقه. وبالتالي فإن هم المستقبل موجود في الفكر الإسلامي إلا أنه كان هما بما سيحدث بعد الموت؛ فقد كانت الدنيا عند القدماء تحت سيطرتهم، وكانوا سادتها في حين أن المهم لدينا هو هم الدنيا بعد أن فقدنا سيادتنا عليها، وأصبح غيرنا هم سادتها وسادتنا.

وفي النهاية، يصعب على المفكر في أمثال هذه الموضوعات أن يجد وسطا متناسبا، وميزانا متعادلا بين العلم والحماس، بين العقل والانفعال، بين الموضوعية والغضب، بين التحليل والصرخة، بين الفكر والألم؛ فالمفكر هنا يحلل ذاته، ويصف واقعه، ويعبر عن همه بلغة العقل وبرود المنهج وهدوء الموضوعية. كما أنه يصعب عليه إيجاد لغة متسقة بين التعبير عن الأشياء ذاتها أو عن تجارب الأنا والنحن التي من خلالها تظهر الأشياء، وبالتالي يتردد المفكر بين ضمير الغائب للإشارة إلى الأشياء وبين ضمير المتكلم للإشارة إلى التجارب الذاتية. ومع ذلك فإن تحليل التجارب المعاصرة التي يعيشها الجميع تكشف عن المادة العلمية أكثر مما تكشف عنها المواد المكتوبة في المراجع العلمية القديمة والحديثة. فهذه أيضا كانت تجارب عند أصحابها ثم تحولت إلى تاريخ.

| ثانيا : مدى ما يمكن أن يستلهمه المجتمع العربي في قيمه المستقبلية ونظمه وتشريعاته من مبادئ الإسلام وروحه

في حقيقة الأمر، يصعب التمييز بين الأمثلة الثلاثة المطروحة؛ إذ إنها متداخلة فيما بينها؛ فمبادئ الإسلام وروحه التي يمكن للمجتمع العربي استلهامها، لا تعرض إلا في إطار التحديات المعاصرة ولا تنفصل عن قضايا العصر ومشكلاته وتحدياته (السؤال الثاني). وكلاهما لا ينفصلان عن قدرة الفكر الإسلامي على استشراف المستقبل (السؤال الثالث)، فالمستقبل هو مصير مشكلات الأمة وطرق حلها. ومع ذلك فإن السؤال الأول يغلب عليه التساؤل عن القيم النظرية التي يمكن أخذها كأساس للمجتمع العربي في لحظته التاريخية الراهنة، في حين أن السؤال الثاني يعطي الإجابات العملية على قدرة هذه القيم على قبول الدخول في تحديات العصر. أما السؤال الثالث فإنه يتوجه نحو المنجزات العملية لتحقيق رؤية مستقبلية لتاريخ الأمة طالما أن هذه التحديات ما زالت قائمة منذ فجر النهضة العربية الحديثة حتى الآن.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٨٧