تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما صفة «الإسلامي»: فإنها تعني الفكر الذي نشأ من ثنايا الإسلام وبفضله وبعد نشأته؛ فقد عرف العرب الشعر والتجارة والديانات السابقة، وكانت لديهم مجموعة الأعراف والتقاليد والقيم العربية الموروثة، ولكن لم يكن لهم فكر بمعنى علم أو حضارة، نشأ الفكر الإسلامي إذن بنشأة الإسلام وهو السبب التاريخي في تسميته «الفكر الإسلامي». ومع ذلك هناك سبب آخر لا تاريخي؛ فالفكر إسلامي، يعني أنه ذو نمط محدد ويقوم على خصائص معينة سواء من حيث صفات الفكر العامة أو العقائد النابعة منه أو القيم التي يقوم عليها أو النظم والتشريعات التي يسنها، «الفكر الإسلامي» بهذا المعنى يختلف عن الفكر المسيحي أو اليوناني أو الغربي أو الهندي أو الصيني، كل فكر له طابع أو نمط أو «خصوصية»، ولا يوجد فكر عام شامل لا طابع له يمثل الإنسانية جمعاء، ويكون فكرا إنسانيا لا وطن له ولا حضارة ولا تاريخ ولا محل، حتى ولو كان الفكر في أعلى درجات التجريد والشمول. لا يوجد فكر إلا إذا كان تفكيرا على نحو معين، وبمنهج مميز حتى الفكر الرياضي أو العلمي. الفكر هنا بالضرورة حضاري تاريخي؛ لأن الإنسان الذي يفكر هو موجود حضاري تاريخي.

أما صفة «العربي» فهي تشير إلى لغة التدوين لأن معظم نتاج الفكر دون بالعربية. العربية هي اللسان وليس الفكر أو الطابع أو الشخصية أو القومية. وقد التبس علينا الأمر في فكرنا الحديث عندما انتشر الفكر القومي الغربي فيه، وعرفنا الفكر الفرنسي والألماني والإنكليزي والأمريكي فقلنا «الفكر العربي» إثر نشأة القومية العربية كرد فعل على القومية الطورانية ونهاية لحكم الخلافة وبعد أن انزوى الفكر الإسلامي الذي تنصهر فيه القوميات في وحدة متعددة أو في تعدد موحد.

2

لقد استطاع الفكر الإسلامي القديم تمثيل غيره من الحضارات السابقة عليه، اليهودية والمسيحية والفارسية والهندية واليونانية. كما دخلت فيه كثير من العقائد الشعبية والعادات والتقاليد والأعراف والأمثال العامية والحكم وسير الأبطال، وكل أنواع التراث الشعبي الشفاهي أو المكتوب. الفكر بهذا المعنى «تاريخ الروح» أو «روح التاريخ». أما صفة «العربي» التي تستعملها أجيالنا الحديثة فإنها لا تشير إلى أكثر من «المجتمعات العربية» أو «الأمة العربية» التي تتحدث العربية والتي تعيش في «الوطن العربي» من الخليج إلى المحيط، والتي تتحدث العربية والتي ارتبطت فيما بينها تاريخا وتراثا وثقافة وعادات وتقاليد في الماضي وهموما ومصالح ومآسي في الحاضر، وتطلعات وآمالا في المستقبل. لا تشير صفة «العربي» إلى قومية أو فكر أو تمايز خاص في مقابل صفة «الإسلامي»، بل تشير إلى «المجتمع العربي» الذي هو جزء من الأمة الإسلامية. فالفكر الإسلامي يضم المجتمع العربي والفارسي والهندي والتركي وكل الشعوب الإسلامية الناطقة بغير العربية والتي لم يحدث فيها توحيد بين الإسلام والعروبة؛ نظرا لوقوف حركة التعريب أو الوقوع أحيانا في الشعوبية.

3 (3)

ويعني «التخطيط»: أن الفكر الإسلامي مسئولية المفكرين الإسلاميين، وأنه ليس مجرد نقل لفكر القدماء والتعريف به وعرضه وشرحه دون ما مراعاة لظروف العصر واحتياجاته؛ وبالتالي يهدف التخطيط لتجاوز خطأين شائعين: (أ)

التعامل مع الفكر كخليط غير متجانس، كمذاهب وعقائد ونظريات ونظم متضاربة عشوائية لا رابط بينها، ليس لها ظروف تاريخية معينة ساعدت على إفرازها. فتعرض نظريات التشبيه والتنزيه، النقل والعقل، الجبر والاختيار، الطاعة والخروج، الإيمان والعمل، الفيض والقدم، الأثر والرأي، النص والمصلحة، الفناء والبقاء ... إلخ، وكأنها نظريات متعارضة، متساوية في القيمة، فيحدث التشتت، وتكافؤ الأدلة. (ب)

نقل ذلك كله وعرضه للمحدثين دون ما مراعاة لظروف العصر التي تحتم اختيار نظرية دون أخرى، أي إسقاط الظروف التاريخية الحالية من الحساب وكأننا نعيش خارج التاريخ مع أنها كانت حاضرة في الفكر القديم. فإذا تم الاختيار فإنه يحدث طبقا للاختيار الأول، التشبيه دون التنزيه، والنقل دون العقل، والجبر لا الاختيار، والطاعة لا الخروج، والإيمان دون العمل، والفيض دون القدم، والأثر وليس الرأي، والنص وليس المصلحة، والفناء وليس البقاء ... إلخ، ودون ما عرض للظروف التاريخية القديمة والصراعات الاجتماعية والسياسية التي كانت وراء هذا الاختيار الأول، مع أن ظروف العصر الحالية قد تحتم الاختيار الثاني، التنزيه دون التشبيه، والعقل دون النقل، والاختيار لا الجبر، والخروج لا الطاعة، والعمل دون الإيمان، والقدم دون الفيض، والرأي لا الأثر، والمصلحة لا النص، والبقاء وليس الفناء ... إلخ.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٨٥