تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما زال الواقع كبعد ثالث في موقفنا الحضاري غير محكم الرؤية، وما زالت التيارات الثلاثة الرئيسية في نهضتنا الحديثة مداخل حضارية للواقع وليست تنظيرا مباشرا له. لذلك كبا الإصلاح الذي يعني أساسا الإصلاح في الأرض ومقاومة الفساد فيها. إن التحدي الأساسي لجيلنا هو مواجهة قضايا العصر الرئيسية، تحرير الأرض من الغزو الاستعماري والاستيطان الصهيوني، إعادة توزيع الثروة ضد التفاوت الهائل في الدخول بين الأغنياء والفقراء، الدفاع عن الحريات ضد كل قوانين القهر وأساليب القمع، تحقيق الوحدة ضد شتى صنوف التجزئة، تحقيق التنمية الشاملة في مواجهة ظواهر التخلف، التأكيد على الهوية الذاتية ضد صنوف التغريب، وأخيرا تجنيد الجماهير وتحزيبها في مواجهة سلبيتها ولامبالاتها وسكونها.

2

| خامسا: خاتمة: الوعي التاريخي

إن الموقف الحضاري هو الأشمل والأعم على التيارات الرئيسية الثلاثة المتمايزة في نهضتنا الحديثة منذ القرن الماضي. وعدم الوعي التاريخي به هو السبب في كبوة الإصلاح. وما زال الموقف الحضاري لم يتغير ذا أبعاد ثلاثة؛ الموقف من القديم، والموقف من الغرب، والموقف من الواقع. إن الموقف الحضاري الآن بناء على الوعي التاريخي يقتضي أخذ موقف نقدي من القديم وليس الدفاع عنه. كما يقتضي ثانيا، أخذ موقف نقدي من الغرب وليس الدفاع عن الغرب. ويقتضي ثالثا، أخذ موقف نقدي من الواقع وليس دفاعا عن الواقع. كبا الإصلاح لأن الموقف الحضاري فيه كان الدفاع. ويمكن أن ينهض الإصلاح من جديد ويتحول إلى نهضة شاملة إذا ما تغير الموقف الحضاري من الدفاع إلى النقد، ومن الحماس إلى العلم، ومن الخطابة إلى التحليل، ومن الإنشاء إلى الخبر. ليست كبوة الإصلاح عيبا في الإصلاح، بل عيب في عدم تطوير الجيل الخامس له وإعادة صياغة مشروع الإصلاح طبقا لظروف كل جيل.

| الفكر الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي1

| أولا: مقدمة: تحديد المصطلحات

نظرا لاتساع مفاهيم الألفاظ وشمول الموضوع في مثل هذا العنوان «الفكر الإسلامي والتخطيط لدوره الثقافي المستقبلي»، فإنه يجب أولا تحديدها حتى يسهل استعمالها على نحو أدق، وكذلك تحديد الموضوع حتى يمكن فهمه والوصول فيه إلى نتائج محددة ويقينية قدر الإمكان. فتحديد الألفاظ شرط لتحديد الموضوع.

ويشمل العنوان ستة ألفاظ يمكن تحديدها على النحو الآتي: (1) «الفكر»: هو كل ما أبدعه الذهن في حضارتنا التي ورثناها منذ أربعة عشر قرنا. وهو لفظ لم يستعمله القدماء بل استعملوا بدلا منه لفظ «علم» وكأن الفكر لا يكون إلا علما، أي فكر له موضوع ومنهج، غاية ومقصد؛ لذلك قامت الحضارة الإسلامية من خلال تأسيس العلوم، العلوم النقلية والعلوم العقلية والعلوم النقلية العقلية.

1

بل إن لفظ «الفكر» لم يستعمل للدلالة على الفلسفة بل استعمل لفظ الحكمة بأنواعها الثلاثة، المنطقية والطبيعية والإلهية. فلفظة «الفكر» مستحدثة واردة من الغرب وشاعت في العصور الحديثة كبديل عن الإيمان أو كغطاء نظري للعالم وكإثبات لوجود الذات ثم انتقلت إلى فلسفات الحضارات، فأصبح لدينا الفكر اليوناني والفكر المسيحي والفكر اليهودي، ومنها خرج المستشرقون بمفهوم الفكر الإسلامي. ثم نقلناه نحن إبان نهضتنا الحديثة من الغرب، وأسقطناه على تراث القدماء.

ومع ذلك فلا مشاحة من استعمال اللفظ كما جرى عليه العرف، فالمعنى العرفي أحد معاني الألفاظ طبقا للأصوليين. الفكر في هذه الحالة يشير إلى كل ما أنتجه الذهن في حضارتنا سواء كان ذلك في العلوم النقلية أو العقلية أو النقلية العقلية. وهو ليس فكرا مجردا علميا رياضيا خالصا، بل هو فكر إنساني مرتبط بحياة الإنسان في كل أبعادها، حامل لعقائد وقيم ونظم وتشريعات، يعطي تصورات للعالم وموجهات للسلوك. هو فكر حي في نفوس الناس، وحاضر في شعور الأمة، قريب إلى وجدانها وحياتها وتاريخها، تعتمد عليه كحجة في الإقناع، وتستخدمه كسلطة في البرهان. يحتوي على دوافع التقدم كما يضم معوقاته. فالفكر بهذا المعنى يعبر عن مجموعة من المصالح المتباينة والأهواء المتعارضة، نصفه يؤيد النظم القائمة ضد المعارضة وهو «فكر السلطة»، والنصف الآخر يعبر عن موقف المعارضة ويشحذها ضد النظم القائمة وهو «فكر المعارضة»، فالفكر ينتج في أتون المعارك السياسية كسلاح عقائدي في دولة عقائدية ولجماهير مؤمنة. لذلك عبر فكرنا القديم في نصفه الأول عن سلطة الحاكم والطبقات الحاكمة، وفي نصفه الثاني عن ثورة المحكومين والأغلبية الصامتة. الفكر بهذا المعنى هو الموروث القديم عندما يتحول في وجدان الناس وفي شعور الأمة إلى تراكم تاريخي يحدد بناء الذهن ويوجه سلوك الناس وليس فقط عقلها، وجودها وليس فقط نظرها. (2)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٨٤