تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رب السموات والأرض [الإسراء: 102]،

وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84]. كان الخطر قديما على التوحيد كتصور في عصر الفتوح، وأصبح الخطر الآن على الأرض في عصر الهزائم. دافع القدماء عن الواحد الحق ضد مخاطر الواحد الرياضي عند فيثاغورث، والواحد الميتافيزيقي عند بارمنيدس، والواحد الأنطولوجي الكوني عند أفلوطين، أما الآن فالواحد يتجلى في الدفاع عن وحدة الأمة ضد تجزئتها، ويتجلى في الوقت نفسه في إثبات التعددية ضد أحادية الطرف التي تعتمد على الواحد القديم دفاعا عن الحرية والديموقراطية وحق الاجتهاد. ربما يكون «الأصلح» الآن هو حرية الاختيار وخلق الأفعال عند المعتزلة وليس الكسب الأشعري، وإثبات استقلال العقل والإرادة، وليس تبعيتهما أو قصورهما. وربما يكون الأصلح اختيار الخوارج في أن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان، وليس اختيار المرجئة أو اختيار الشيعة بل رأي أحمد بن حابط في أن النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس خارجها. أيهما أفضل؛ الصلاح والأصلح والغائية في الأفعال أم اللامعقول والعشوائية؟ ربما يكون اختيار المعتزلة والخوارج رفض القرشية أصلح لنا من اختيار الأشاعرة حتى لا تحتكر السلطة فئة معينة. إذا كان القدماء قد استعملوا حديث الفرقة الناجية ضد الخصوم السياسيين؛ فإن جيلنا ينقده - كما فعل ابن حزم من قبل - من أجل الانتقال من الفرقة المذهبية إلى الوحدة الوطنية، وللحفاظ على حق كل فرقة في الاجتهاد، وأن للمخطئ أجرا وللمصيب أجرين، وأن الصواب متعدد في النظر، واحد في العمل كما قرر الأصوليون، أو في لغة عصرنا: السماح باختلاف الأطر النظرية والاتفاق على حد أدنى من برنامج موحد للعمل الوطني.

وإذا كانت علوم الحكمة القديمة قد تسرب إليها الإشراق الصوفي بحيث تركزت نظرية المعرفة والسعادة فيها على الاتصال بالعقل الفعال والقرب منه والاتحاد به، صارت الطبيعيات مقدمة للإلهيات أو هي «إلهيات مقلوبة»، والمنطق صوري لا حياة فيه ولا جدل ولا صراع ولا واقع ولا بشر، والفضائل النظرية فيها أفضل من الفضائل العملية، فقد تكون مهمة الحكيم اليوم التخلص من الإشراقيات القديمة دفاعا عن العقل، مع النظر إلى الطبيعة نظرة علمية خالصة، مميزا بين الفكر العلمي وبين الفكر الديني، واختيار منطق حسي طبيعي تجريبي مادي كاختيار الأصوليين، وإعطاء الأولوية للقيم العملية على القيم النظرية، وللشعوب والمؤسسات على خصال الرئيس وصفات الإمام.

لقد نشأت علوم التصوف عند القدماء كرد فعل على حياة البذخ والترف وتكالب الناس على الدنيا، وحرصهم على الثروة والجاه، وبعد اليأس من تغيير العالم عقب استشهاد الأئمة من آل البيت، وانتهاء المقاومة الخارجية. وهنا لم يتبق إلا النفس، فليعمل المرء على خلاص النفس إن صعب خلاص العالم، وعلى التغيير من الداخل إن استحال تغيير الخارج، وإنقاذ الفرد إن استعصى إنقاذ المجتمع، وإقامة ملكوت السموات خارج العالم إن استحالت إقامته في هذا العالم، وتصوره بالخيال إن استحال تحليل الواقع بالعقل. لقد تحول جدل الطبيعة والمجتمع والتاريخ إلى جدل عواطف وانفعالات كما هو واضح في حالات الصوفية؛ الصحو والسكر، والغيبة والحضور، الخوف والرجاء، الفقد والوجد. وظهرت القيم السلبية باعتبارها الطريق إلى الخلاص القريب كما هو واضح في مقامات الصوفية مثل الصبر، والورع، والرضا، والتوكل، والشكر، والقناعة والزهد.

والآن تغيرت الظروف، فلم يعد الأمر ميئوسا منه، ولم تنته المقاومة الفعلية من الداخل أو من الخارج، ولم يستشهد منا آلاف الأئمة دفاعا عن الشرعية. هناك إمكانية لتغيير العالم وإقامة ملكوت الله على الأرض، وتحويل الوحي إلى نظام مثالي للعالم. الجماهير حاضرة، والطلائع الجديدة متشوقة، والغضب والمداراة والحسرة، والإحساس بالظلم والهوان يعم الجميع.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٨