تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن حل أزمة الموقف الحضاري إنما يكون بإعادة النظر في هذه الأبعاد الثلاثة وأحكامها، وإعادة الاتزان إلى الوعي الحضاري القومي، وفرض الواقع نفسه، أي البعد الثالث، على البعدين الحضاريين الأولين. فالواقع يفرض - وبعد مائتي عام من نهضة حديثة سرعان ما كبت - أن يكون موقفنا من التراث القديم لا موقف المهاجم أو المدافع، بل موقف الناقد والمطور؛ النقد عن طريق وصف نشأة التراث في الظروف القديمة، والتطور طبقا لحاجات العصر والظروف الجديدة. والموقف من التراث الغربي ليس أيضا موقف المدافع أو المهاجم، بل موقف الناقد والراد لهذا التراث إلى حدوده الطبيعية: النقد؛ بوصف نشأته المحلية والقضاء على أسطورة عالميته، والرد؛ لتحجيم هذا التراث لإفساح المجال للإبداع الذاتي للشعوب. والموقف من الواقع ليس بالعزلة عنه أو بالتمرد عليه؛ فالعزلة إلى الداخل تتبدى في النفس إحباطا وفي الخلية السرية نشاطا، والعزلة إلى الخارج هجرة مهنية أو معارضة سياسية في العواصم الأوروبية أو تمردا عن طريق الانقلابات العسكرية، أو غضب الجماعات الدينية، أو تشكيل أحزاب تقدمية علمانية لأخذ السلطة. الموقف من الواقع هو فهمه أولا، ومعرفة متطلباته، وسبر مكوناته (الثقافة الوطنية، الجماهير الشعبية) حتى يمكن الالتحام به وتفجير طاقاته القادرة على الوقوف أمام الأبنية الاجتماعية والنظم السياسية التي تقوم على التصورات السلطوية الموروثة. حل أزمة الموقف الحضاري إذن في نقل الموقف من مستواه الخطابي إلى مستواه العلمي، وتحويل المواقف الإيمانية بالقديم أو الانبهارية بالغرب أو الخيالية بالنسبة إلى الواقع، إلى مواقف علمية حضارية تاريخية محكمة؛ حتى ينشأ الفكر في مواقف اجتماعية وحضارية وتاريخية محددة، تكون بالتالي أرضا للفلسفة وتربة للفيلسوف.

| رابعا: الموقف من التراث القديم

التراث القديم كله استجابات ذهنية لأجيال سابقة إزاء أحداث عصر مضى، ويكشف عن صراع القوى. ولما كان الصراع يحسم لفريق دون فريق، فقد ساد تراث القوة الغالبة على تراث القوة المغلوبة. وتم تدوين كل شيء في التاريخ والأصول والعقائد، أي في «أيديولوجيات» الشعوب من وجهة نظر الغالب، وحيكت مؤامرات الصمت والتشويه حول تراث المعارضة، فتحول هذا التراث إلى تراث سري كما هو الحال عند الشيعة، أو تراث علني لفته مؤامرات الصمت حتى تهدد بالاندثار مثل تراث الخوارج (المعارضة العلنية من الخارج) وتراث المعتزلة (المعارضة العلنية من الداخل).

لذلك كانت الحلول التي اختارها تراث القدماء، وبقيت محفوظة ومدونة في الكتب القديمة هي حلول ومواقف السلطة من حلول المعارضة. وما نقرؤه في التراث، في حقيقة الأمر، هو نتيجة معركة تم حسمها لصالح الغالب ضد المغلوب.

فلو أخذنا مثلا علم العقائد، لوجدنا أن عقائد الفرقة الناجية قد انتصرت، وهي عقائد السلطة، على عقائد الفرق الهالكة وهي فرق المعارضة كما يعبر عن ذلك حديث الفرقة الناجية.

1

فالله الواحد الذي ليس كمثله شيء والذي لا يرى ويرى كل شيء، ليس هو بالضرورة التصور الوحيد لله كما نعلم من تاريخ العقائد؛ هناك الله الحسي المجسم، محل الحوادث، عند الكرامية والمشبهة على اختلاف فرقهم. وليس بالضرورة أن يكون التصور الأول صحيحا والثاني باطلا؛ إذ يعكس التصوران صراع قوى؛ قوة السلطان الذي ليس كمثله شيء، وقوة المعارضة التي تجعل حركة التاريخ جزءا من الألوهية. أما الصفات التي تجعل الله يسمع ويرى ويبصر كل شيء فقد تمت صياغتها من أجل استخدام سياسي خالص للسلطة التي هي بدورها ترى وتسمع وتبصر كل شيء. والقول بأن العقل الذي لا يستقل بنفسه في المعرفة بها يحتاج إلى النقل، إنما هو دعوى طرحت حتى يمكن عبرها تأويل النقل لصالح السلطة القائمة دون مقياس عقلي واحد شامل ومطرد. وتصوير الإنسان ككائن ليست لديه القدرة على الفعل، وتعليق مصيره بإرادة أخرى إنما هو من أجل نفي قدرته واستقلاله، وجعله باستمرار تابعا لغيره معتمدا عليه. وجعل النبي هو الوصي على العقل ليحال دون استقلال الشعور عقلا وإرادة، والقول بأن النبوة تثبت بالمعجزات، هو من أجل عدم الالتفات إلى بنية الوحي الداخلية كنظام للعلم، أو رؤية مبادئه الاجتماعية والسياسية التي تقوم على رعاية الصالح العام. كما أن القول بأن المعاد خارج العالم هو من أجل أن يؤسس الإنسان ملكوته خارج العالم، ويعد له بعد الموت. أما داخل العالم وقبل الموت فهو حق السلطة القائمة لا ينازعها فيه أحد. والقول بأن الفعل ليس شرطا للإيمان إذ يكفي القول بل والتمتمة بالشفتين، إنما طرح حتى لا يكون الفعل موجها ضد السلطة القائمة فتصفي المعارضة، وحتى لا يحاسب الحكام على أعمالهم ما داموا يتشهدون. والإمامة التي وإن كانت بالاختيار إلا أنها تظل محصورة في قريش إنما هي كذلك حتى يقتصر الحكم والسلطة على فئة معينة من الأشراف أو من الضباط، من الملوك أو الأمراء. علم العقائد إذن اختيارات سياسية محضة وليس علما مقدسا. وكل ظروف تفرض اختياراتها. وقد تتم تحت ظروفنا الحالية اختيارات أخرى. قد يكون من صالح الأمة الآن الدفاع عن الله وتصوره باعتباره أرضا درءا للاحتلال وتحريرا للأرض، بل وتأصيلا للوحي في «إله السموات والأرض»،

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٧