و«علوم التفسير» في حاجة أيضا إلى إعادة نظر، ليس المطلوب هو التفسير «الطولي» للقرآن، جزءا بعد جزء، حزبا إثر حزب، سورة بسورة، وآية بآية، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات «التاريخية» عن الحوادث والشخصيات التي يتعرض لها القرآن، فليس الوحي حوادث بل معان، وليس وقائع بل ماهيات. كما أن التفسير الطولي تجزئة للموضوع الواحد، وبعثرة لبنائه، إنما الذي يفيد في العمل السياسي هو البحث عن المعاني والدلالات، وتعميمها في كل عصر، وليس الوقائع التاريخية المحددة. كما أن المفيد هو التفسير الموضوعي الذي يجمع الآيات كلها حول موضوع واحد؛ مثل المساواة، المال، العدل، الظلم، الحكم، الأمة، الوحدة؛ حتى يمكن التعرف على نظريات التراث التي ما زالت تفعل إيجابا أم سلبا في وجدان الناس. ولا تفسير إلا من خلال مصالح الأمة، وهو التفسير الأصولي لا الكلامي أو الفلسفي أو الفقهي أو الصوفي أو اللغوي أو الأدبي. فقد أتى الوحي حفاظا على مصالح الناس. ومن ثم يقرأ القرآن من خلال مصالح الناس، وترى مصالح الناس داخل السور والآيات. وبالتالي ينشأ تفسير سياسي اجتماعي اقتصادي يكون هو البديل عن الأيديولوجية العلمانية.
1
أما علوم «السيرة» فإنها تتعرض لشخص النبي، ولكل جوانب حياته، ما قبل الميلاد، وما قبل البعثة، وربما ما بعد الموت. وبالتالي «تشخص» الوحي في النبي مع أن النبي مجرد وسيلة لإبلاغ الوحي. وربما كان هذا هو سبب التشخيص في حياتنا السياسية، تحول الحكم إلى شخص، والمبدأ إلى سيرة، والفكرة إلى زعامة. فلا فرق بين الاحتفال بالمولد النبوي وبين الاحتفال بميلاد الملك، فكلاهما تشخيص للأعياد الوطنية. تتشخص المؤسسات الاجتماعية والسياسية، بل وتتشخص دول بأكملها، فهذه دولة الحسن وهذه دولة الحسين، وتضيع الأمم. خاصة وأن السيرة فيها الغيبي المعجز وفيها العقلي البديهي، والأول هو الذي يشد انتباه العامة. لذلك، أصبح الزعيم السياسي أيضا معجزا في أقواله وأفعاله، معصوما في أخطائه، يتعبده الناس أو كادوا.
أما علوم «الفقه» القديمة فإن طابع العبادات هو الغالب عليها؛ نظرا لقرب عهدها بالدين الجديد وشعائره. ولكن بعد أن استقرت وعرفت ومارسها الناس لم تعد الأركان الخمسة محور الفقه، أي العبادات، بل المعاملات في الزراعة والصناعة والتجارة، وفي الأجور والقيمة والاستثمار. فأثر الفقه القديم في العمل السياسي بأن ترك الحركات الدينية تصول وتجول في العبادات، وتترك المعاملات وكأنها خارج نطاق الاهتمام. فتركت موضوعات الأرض والزراعة والعمالة والأجور يفعل فيها الحكام ما يشاءون، وتقترح فيها المذاهب العلمانية ما تريد. أما الفقه الافتراضي القائم على افتراض حالات لم تقع فإنه حول الشريعة إلى مجرد احتمالات وخيالات لا واقع لها، وضاع منها لبها وجوهرها وهو واقعيتها. فوصية إنسان بين أنياب الأسد، أو طلاق امرأة إذا جامعها زوجها في ثوبها وإن لم يجامعها في ثوبها، أو حكم بيضة من فرخة جامعها رجل، قضايا يتبارى فيها الفقهاء في وقت تحتل فيه الأرض، وتنهب فيه الثروات، وتفتت فيه الأمة، وتقهر فيه الحريات.
وربما تحتاج العلوم النقلية كلها إلى تطوير بحيث تصبح علوما نقلية عقلية أو حتى عقلية خالصة؛ حتى يضيع أثر النقل من حياتنا ويتحول إلى العقل، وتضيع حجة السلطة ويسود المنطق والبرهان. (2) العلوم النقلية العقلية
وهي أربعة: علم أصول الدين، وعلوم الحكمة، وعلوم التصوف، وعلم أصول الفقه. وهي العلوم التي جمعت بين العقل والنقل، أو التي استطاع فيها العقل أن يفرض على النقل. وهي أيضا تتفاوت فيما بينها في درجة اختراق العقل للنقل. وقد انتهت هذه العلوم منذ سبعة قرون إلى تراجع قدر العقل فيها، وتحولت إلى علوم تقرب من النقلية الخالصة؛ ومن ثم كانت القرون السبعة الأولى تمثل تقدما أكثر مما عليه نحن الآن. وبالتالي ساد النقل كلية، وأصبحنا نعاني من غياب العقلانية ولا ندري السبب، ولا نجد إلا العقلانية الغربية طريقا للخلاص. (أ) علم أصول الدين