تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل حزب بما لديهم فرحون [الروم: 32].

| ثانيا: العلوم التراثية ومعوقات العمل السياسي

ينقسم التراث إلى مجموعات ثلاث من العلوم: العلوم النقلية الخالصة، والعلوم النقلية العقلية، والعلوم العقلية الخالصة. ولكل منها أثره في العمل السياسي على درجات متفاوتة طبقا لمدى رسوخها في وعينا القومي. فقد عاشت العلوم النقلية والعلوم النقلية العقلية في وجداننا، وترسبت فيه بدرجة كبيرة، بينما اختفى أثر العلوم العقلية من وعينا القومي في حين أنها انتقلت، من خلال الترجمة، إلى وجدان الغرب، وساهمت في نهضته الحديثة، وكانت وراء تكوين الوعي الأوروبي بأبعاده الثلاثة؛ العقلي، والعلمي، والإنساني. (1) العلوم النقلية

العلوم النقلية الموروثة خمسة: القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، والفقه. كل منها تحقق ثان للذي قبله، فالحديث تحقق ثان وتخصيص للقرآن وبيان لأوجه تطبيقه. والتفسير شرح للقرآن وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حوله. والسيرة تخصيص أكثر للحديث بإدخال حياة الرسول قبل البعثة بل وقبل الميلاد. أما الفقه فهو إعادة تبويب الحديث، حتى يكون سلوكا للناس جميعا؛ فهي كلها علوم مرتبطة بالوحي، ومتفاوتة بين أقصاها في العموم مثل القرآن وأقصاها في الخصوص وهو الفقه.

وقد رسبت هذه العلوم الخمسة في وجداننا وتراكمت في سلوك الناس على نحو سلبي أكثر منه إيجابيا. فعلوم القرآن ما زالت تتحدث عن رسم المصحف وشكله وجمعه وتدوينه، وعدد سوره وآياته، ونظمه، وهل البسملة جزء منه، وقراءاته، ولهجاته وهي كلها أشياء خارجية محضة، مرتبطة بظروف الوحي والإعلان عنه أول مرة، ولم نعد نحن قادرين على المساهمة فيها خاصة في القراءة والتدوين، فقد بعد العهد ولم يعد أحد منا معاصرا لنزول الوحي كما كان القدماء شاهدي عيان له. ولكننا نستطيع أن نجد دلالات معاصرة لبعض موضوعاته تساعد على حل بعض القضايا التي تعرض لنا ونحن بصدد موضوع التغير الاجتماعي أو العمل السياسي. فمثلا موضوع المكي والمدني هو بالنسبة لنا يدل على أن أي نسق مذهبي إنما يشمل بالضرورة قسمين: التصور والنظام، العقيدة والشريعة. فالمكي أعطى التصور والمدني استنبط النظام، فلا عقيدة إذن بلا شريعة، ولا شريعة بلا عقيدة، وبالتالي يحسم الخلاف بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية حول الإسلام دين ودولة، أم دين دون دولة، كما أن موضوع «أسباب النزول» إنما يعني بالنسبة لنا أن الواقع سابق على الفكر، وأن الوحي لا ينزل إلا بعد وقوع مشكلة اجتماعية تتطلب حلا لم يهتد إليه جل الناس أو اهتدى إليه البعض ببداهته وفطرته. فالواقع ينادي الفكر والفكر يفرض نفسه على الواقع. الهدف من الوحي هو حل المشاكل الاجتماعية وليس غطاء معرفيا نظريا للعالم، معرفة من أجل المعرفة. وهذا ما يعطي فكرنا الديني السياسي المعاصر نموذجا ومنهجا. فلا يقرأ الوحي إلا من خلال المشاكل الاجتماعية، ولا نصائح نظرية سياسية إلا من خلال المواقف الإنسانية والتحديات الأساسية التي تواجه كل مجتمع. أما الناسخ والمنسوخ، فإن له أيضا دلالة حديثة فيما يتعلق بالزمان والتطور، وإعادة صياغة التشريعات والقوانين طبقا للقدرات الإنسانية. فلا جمود في التشريع، وأن القانون وضع لصالح الإنسان، وليس الإنسان لصالح القانون.

أما «علوم الحديث» فقد أتقن القدماء مناهج الرواية وفصلوا في طرقها من أجل التحقق من صحة الحديث من خلال السند. وأسسوا لذلك علوما مساعدة مثل علم الجرح والتعديل أو علم ميزان الرجال. أما نحن فقد بعد علينا العهد، ولم نعد في مثل قدرة القدماء في التعرف على الرواة. ولكننا قادرون على نقد «المتن» وتحكيم الحس والعقل والمصلحة في الرواية، خاصة وأن من شروط التواتر الاتفاق مع الحس ومجرى العادات. وبالتالي يخف أثر الأحاديث «الغيبية» عن النفوس، وكل ما يعارض العقل، ويناهض المصلحة. فنفرض واقعنا على الرواية، وبالتالي نكون قد قدمنا نقد المضمون كما قدم القدماء نقد الشكل، فكثير من الأحاديث تؤثر في حياتنا السياسية مثل حديث «الفرقة الناجية» الذي يكفر كل اجتهادات الأمة ولا يقبل إلا رأيا واحدا هو رأي السلطة القائمة التي تمثل «الفرقة الناجية».

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٦٩