تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما كان التراث القديم في مواجهة تراث الغير كان الدفاع عن الله، ذاته وصفاته وأفعاله، ضمن إنجازات القدماء ضد تشبيهات الإنسان. وقد تم كسب المعركة، وأصبح الله في شعورنا مستحقا لكل صفات العظمة والجلال، ولكن في مجتمعاتنا الحالية أصبح الخطر مدهما بالإنسان، حياته ومعاشه وتعليمه وصحته وخدماته وحقوقه وحريته. ومن ثم وجب نقل المركز أو الثورة من الله إلى الإنسان، دون أن يكون في ذلك خروج على مقاصد الله؛ فالله قد خاطب الإنسان بالوحي، وأرسل له الأنبياء، وكرم بني آدم في البر والبحر، وجعله سيد المخلوقات. الله غني عن العالمين، ولكن الإنسان في حاجة إلى دفاع وحماية. وقد فرض الإنسان نفسه في تصورنا لله، فشخصناه حتى امتلأت حياتنا بالتشخيص، تشخيص المبادئ والنظم والتصورات. وتصورنا الله «الإنسان الكامل» بكل ما له من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر وكلام وإرادة. وبدل أن تكون هذه الصفات مثلا عليا يحققها الإنسان في حياته وهدفا له يسعى نحوه؛ تجمدت وتحجرت وثبتت وتحولت إلى معبود يشعر الإنسان أمامه بالعجز والدونية. (3) من الأمير والرئيس والإمام إلى الشعوب وجماهير الأمة

وقد انتقل التصور الهرمي المركزي للعالم إلى ميدان الاجتماع والسياسة، فنشأت لدينا المدن الفاضلة تتمركز حول الرئيس أو الإمام كخليفة لله في الأرض، كما دارت النظم السياسية وفي علم العقائد خاصة حول الإمامة وشروطها وصفات الإمام. فتوارت المؤسسات الاجتماعية والسياسية كما توارت الشعوب والجماهير متخلية عن دورها في المعارضة والثورة وآخذة دور السمع والطاعة. وسمعنا في مجتمعاتنا من يحذر من الاقتراب من «بغلة السلطان» بالنقد أو التجريح فما بالنا بالسلطان! ويقول الفارابي: سواء قلت الله أو الرئيس أو الأمير أو الإمام فإنما أعني نفس الشيء. فإذا خرج جزء من القاعدة على القمة جاز للرئيس بتره واستئصاله حتى يعم النظام ويستتب الأمن، وكأن التصفية الجسدية هي أفضل وسيلة للتعامل مع المعارضة والرئيس أكمل البشر، وهو وحده القادر على المعرفة والإلهام، يكاد لا يخطئ ولا يراجعه أحد! إن المؤسسات الدستورية هي وحدها القادرة على المراجعة حتى تحدث التنمية الشاملة دون أن تخضع لهوى الحكام ولنزوات السلطة. (4) من الجبرية والقضاء المسبق إلى الحرية وخلق الأفعال

ظهرت عقيدة الجبر بتوجيه من الدولة القائمة للقضاء على المعارضة ودعوة الناس إلى التسليم، فآمن الناس بأن كل ما يحدث في حياتهم من محازن ومآس إنما تم بقضاء الله وقدره المسبق وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وكان يمكن أن تحدث مآس ومصائب أقوى وأشد، ولكن الله خفف ولطف، ولو علم الناس المقدر لاختاروا الواقع! وأصبح كل من يعارض أو يعترض أو ينقد أو حتى ينصح بالحسنى خارجا على النظام ومنشقا على إجماع الأمة! ولذلك وصفت المجتمعات الشرقية بنظام «الاستبداد الشرقي» واحد فيها فقط هو الحر والباقي عبيد! ولما كان شرط التنمية هو التخطيط والمبادرة وقدرة الإنسان على الابتكار والخلق كان الانتقال إلى الحرية وخلق الأفعال كقيمة محققا لهذا الشرط. وقد حاولت حركاتنا الإصلاحية الأخيرة إحداث هذه النقلة خاصة الكواكبي في «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد». (5) من منهج النص النازل إلى منهج الاستقراء الصاعد

كان المنهج السائد في التراث القديم هو المنهج النصي القائم على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة وهي الأصول الأولى المكتوبة. وساد هذا المنهج، فخرج التفسير بالمأثور في علوم التفسير، وأولوية النقل على العقل في علم أصول الدين عند الحشوية وأهل الظاهر. كما ظهر الفقه الافتراضي وسادت فرقة أهل السنة والحديث التي أصبح فيها النص حجة قائمة بذاتها لا يقوى عليه أي دليل عقلي أو أي برهان حسي منذ أحمد بن حنبل حتى محمد بن عبد الوهاب. وكان من الطبيعي قديما أن يحدث ذلك، فكان الوحي هو مصدر المعرفة والعلم. ولما تغير الوضع الآن وأصبح الواقع هو مصدر المعرفة، وأصبح التحليل الكمي للواقع هو أساس القرار ومادة التخطيط، لزم الانتقال من منهج النص النازل إلى منهج الاستقراء الصاعد، والانتقال من الفكر إلى الواقع، ومن الوحي إلى الطبيعة، ومن الأصل إلى الفرع، ومن المبدأ والشعار إلى حياة الناس وواقعهم التاريخي. (6) من العقل الإشراقي إلى العقل الاستدلالي

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٦٤