تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| رابعا: نموذج إعادة بناء التراث

والنموذج الثالث هو «إعادة بناء التراث» أو «إحياء التراث» أو «تجديد التراث» النموذج الذي تحاول المجتمعات النامية صياغته وتبنيه بالرغم مما هو حادث الآن من وقوع في الخطابة أو الانتقائية من الخارج. فإذا كان النمط التراثي يضحي بالتغير الاجتماعي من أجل المحافظة على التراث وكان النمط اللاتراثي يضحي بالتراث من أجل إحداث التغير الاجتماعي، فإن تجديد التراث أو إحياءه أو إعادة بنائه طبقا لحاجات العصر هو الذي يحفظ من التراث دوافعه على التقدم ويقضي على معوقاته، وهو القادر على إحداث التغير الاجتماعي بطريقة أرسخ وأبقى وأحفظ له في التاريخ من الانتكاسات والردة وحركات النكوص.

1

ولما كان التراث عادة يتم نسجه حول المعطى الديني الذي يتحول فيما بعد إلى عقائد ونظريات ومذاهب وأبنية نفسية، فإن ذلك يحدث في واقع تاريخي محدد وفي زمان ومكان معينين وفي مجتمعات بعينها بكل ما فيها من صراع اجتماعي وتضارب في المصالح بين القوى الاجتماعية المختلفة. فبرز التراث معبرا عن هذا الصراع وهذه المصالح، وهذا الواقع التاريخي ، ومملوءا بهذه التناقضات حتى أصبح حاويا للشيء ونقيضه، متعدد الأطراف، متشابه الأحكام والقضايا. وقد عبرت الفرق الإسلامية القديمة عن ذلك أصدق تعبير، وأصبحت المذاهب الكلامية أكبر معبر عن القوى الاجتماعية في المجتمع الإسلامي القديم. فكان سلاح المذهب والعقيدة أمضى الأسلحة لكسب معارك الصراع الاجتماعي. ولما كان الصراع الاجتماعي في كل عصر واحدا لا يتغير، الصراع بين الحاكم والمحكومين، بين الطبقة العليا والطبقات الدنيا، بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون شيئا، بين الأقوياء والمستضعفين، بين الأقلية والأغلبية، بين القاهرين والمقهورين خرج التراث متشابها يعبر عن كلا الموقفين. فإذا كان الصراع قد حسم أولا لصالح فريق، فريق السلطة، الدولة السنية القائمة، وبالتالي ساد تراثه على مدى أكثر من ألف عام منذ حسم الصراع في القرن الخامس الهجري حتى الآن، فإن المعركة اليوم على أشدها بين الفريقين من جديد بصرف النظر عمن يمثلها؛ القاهر من الخارج مثل الاستعمار والصهيونية، أو القاهر من الداخل مثل الإقطاعي أو الحاكم المطلق. وتكون معركة التراث الآن هي في إحداث البدائل وقلب التراث من تراث القهر إلى تراث التحرر؛ نظرا لتغير الظروف الاجتماعية وبداية معارك التغير الاجتماعي من جديد. فلا يمكن للقوى الاجتماعية صاحبة الحق في إحداث التغير الاجتماعي من التغير بثقافة السلطة، ثقافة الدولة الأشعرية، دون اكتشاف ثقافة المقهورين؛ ثقافة الشيعة والخوارج والمعتزلة وتراث القرامطة والزنج. وقد بدأ هذا التحول في تراث الحركات الإسلامية الثورية المعاصرة مثل المهدية والسنوسية والثورة العرابية وثورات الريف وحركات التحرر الوطني في المغرب العربي، وحركات المعارضة الإسلامية في الحجاز، وأخيرا في الثورة الإسلامية الكبرى في إيران.

ويمكن تصور أحداث هذا النموذج الجديد، وعلى سبيل المثال، على النحو الآتي:

2 (1) من التصور الرأسي للعالم إلى التصور الأفقي

فقد ظهر التصور الرأسي للعالم أو التصور المركزي أو التصور الهرمي في وقت كان الدفاع فيه عن الله كمركز للكون وعن القمة من أهم المعارك التي دخلها التراث القديم ضد المذاهب والملل والنحل دفاعا عن التوحيد ضد الشرك والثنوية وكل مظاهر التشبيه والتجسيم التي كانت منتشرة في المجتمعات القديمة المجاورة خاصة في فارس. وقد حسمت المعركة لصالح التوحيد، واستتب الأمر لصالح الدولة القائمة وقوى النظام. ولكن أصبح هذا النظام فيما بعد قيمة مطلقة، وتحول إلى بناء نفسي للجماهير، فتعطى القمة كل شيء ولا تعطى القاعدة أي شيء، وأصبحت العلاقة بين الأعلى والأدنى علاقة تمايز وتفاضل وشرف. كلما صعدنا إلى أعلى وصلنا إلى أسمى مراتب الكمال، وكلما هبطنا إلى أسفل وصلنا إلى أقصى مراتب النقص. فنشأت لدينا المجتمعات الإقطاعية والنظم الرأسمالية، وتغلغلت البيروقراطية في النفوس، وأسسنا المجتمع الطبقي كقيمة تراثية راسخة، وكبناء اجتماعي ثابت وكنظام طبيعي خلقي جبلي فطري! فتعثرت محاولات التغير الاجتماعي وإقامة عدالة اجتماعية وتذويب الفوارق بين الطبقات والقضاء على المركزية الإدارية. فالتقدم مشروط بالتصور الأفقي للعالم حينما تكون العلاقة بين الطرفين علاقة الأمام بالخلف، وليست علاقة الأعلى بالأدنى، وتكون الأطراف جميعا على مستوى واحد منذ البداية حتى تتكافأ الفرص. وبهذه العلاقة الجديدة يمكن تأسيس مجتمعات الحرية والاشتراكية كما يمكن تأسيس نظم جماهيرية تعطي القواعد الشعبية قدر ما تعطي الطلائع الثورية. (2) من الله إلى الإنسان

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٦٣