وقد تمت الترجمة على مرحلتين: الأولى حرفية؛ حرصا على «حدود» النص المقروء، وحماية له من سوء التأويل، وأمانة علمية بلغة عصرنا، إلى أقصى حد؛ حرصا على دقة الفهم، والثانية معنوية حرصا على المعنى وهو المقصود من اللفظ. فإذا كانت الترجمة الأولى محاولة للتعرف على الآخر فإن الثانية هي قراءة له، أي تجاوز ألفاظه وتعبيراته إلى معانيه وتصوراته، ثم التعبير عنها بلغة عربية تلقائية. فإذا كانت الترجمة الأولى نقلا فإن الثانية تأليف غير مباشر. وغالبا ما قام مترجم واحد بالترجمتين معا إذا ما تجاوز عمره عمر جيلين.
3
لم تكن الترجمة استبدال لفظ بلفظ وكأنها مجرد نقل اعتمادا على المعاجم اللغوية، بل كانت نقل تصور الآخر للعالم إلى تصور الذات، مع تغيير ألفاظ الآخر لتتفق مع تصورات الذات كلما اقتضى الأمر ذلك. فمثلا إذا كان النص المنقول يستعمل لفظ «الآلهة» فإن اللفظ الناقل يستعمل بدلا عنه لفظ «الملائكة». ففي تصور الآخر لا ضير من تعدد الآلهة في حين أنه في تصور الأنا الله واحد، والتعدد فقط للملائكة ولسائر المخلوقات.
4 (5)
وقد استغرقت الترجمة القديمة جيلين اثنين حتى ظهرت بوادر التأليف. بل إن بعض المترجمين كانوا مؤلفين كما كان بعض المؤلفين مترجمين.
5
ثم تزامن النقل المعنوي والتأليف حتى منتصف القرن الرابع، ثم استمر التأليف وحده حتى القرن السابع، أما في عصرنا الحاضر فإننا بدأنا النقل عن الغرب منذ ما يزيد على قرنين من الزمان أي منذ أكثر من أربعة أجيال ولم يتم حتى الآن إبداع. وإذا كان هناك تأليف فهو تجميع للنقل وإعادة تبويب وعرض له. ولما كان معدل التأليف عند الآخر أعلى بكثير وأسرع من معدل النقل عند الأنا؛ أصبحنا نجري وراء الغير لاهثين بدعوى اللحاق بركب الحضارة، وساعدنا بأيدينا على نقل العلوم من المركز إلى المحيط كأحد مظاهر السيطرة من خلال الهيمنة الثقافية. (6)
وقد قامت الترجمة بفضل ديوان الحكمة، أي بفضل الدولة ومؤسساتها، وكانت عملا منظما ومختارا ومقصودا، لا تخشى مذهبا، ولا تستبعد مؤلفا، ولا تصادر كتابا. وقد تم ذلك في بدايات نهضتنا الحالية على يد الطهطاوي ومدرسة الألسن. وفي كلتا المرحلتين كان هناك نقلة ومراجعون، وكانت الدولة تقوم بالنشر والتوزيع ثم بالتطبيق المباشر لهذا التراث العلمي في أجهزة الدولة خاصة في الجيش وقطاعات الصناعة والزراعة والتعليم. وكان النقل في الحالتين بداية من العلوم خاصة الطب والكيمياء؛ نظرا لحاجة الدولة إلى علاج الجند وإلى صناعة السلاح، ولكن في جلينا قامت الدولة باختيار النصوص التي تتفق مع هواها واستبعاد نصوص أخرى بدعوى التوجيه المعنوي والإرشاد الوطني والإعلام الحزبي. (7)
كان المترجمون الأوائل نصارى يعيشون بين المسلمين. كانوا مزدوجي الثقافة، نصارى العقيدة ولكن مسلمي الثقافة. لم يكونوا رسل ثقافة الآخر إلى الذات، بل كانوا رسل ثقافة الذات إلى الآخر. لم يكونوا على هوامش المجتمع، أقلية مقهورة في مواجهة أغلبية قاهرة، بل كانوا في قلب المجتمع على قدم المساواة بين جميع الطوائف والملل، لم يكونوا غرباء على الأمة دخلاء على ثقافتها، بل كانوا أصحاب حق ينبعون من صميم الثقافة العربية، كانوا مواطنين من الدرجة الأولى، زينة مجالس الخلفاء من أطباء ورياضيين وفلكيين وفلاسفة وأدباء ونحاة وظرفاء وفقهاء ومتكلمين. لم يكن القصد إيجاد ازدواجية في الثقافة، بين موروث ووافد، بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر، بل كانت الغاية تقديم ثقافة الآخر للأنا؛ من أجل القضاء على الازدواجية الثقافية. كانوا عربا لغة، ومسلمين تصورا، وإن كانوا نصارى أو يهودا عقيدة، وهذا عكس ما حدث في عصرنا عندما كان نصارى الشام المحدثون يشعرون بالأقلية في مواجهة الأغلبية ، على هامش المجتمع وليس في قلبه، كان ولاؤهم أقرب إلى ثقافة الآخر منه إلى ثقافة الأنا. فالأولى أكثر علمية وعقلانية وإنسانية، في حين أن الثانية أكثر خرافة وصوفية وإلهية. قاموا بدور الوكلاء لثقافات الآخر ومذاهبه عند الأنا، وكونوا بؤرا ثقافية هامشية منعزلة من خلال مدارس التبشير والجامعات الأجنبية. فنشأت ازدواجية ثقافية بين ثقافة الأنا وثقافة الغير والتي كان هدف المترجمين الأوائل في المرحلة الأولى تجاوزها والقضاء عليها.